| أحداث أيار الدامية بين الظاهر السياسي والمنطق الطائفي |
| الكاتب/ وديع حمدان | |
| Thursday, 19 June 2008 | |
|
تسبب الهجوم المسلّح لحزب الله وحلفائه، على بيروت والجبل، بخسائر كبيرة، أهمها ما أصاب اللحمة الاجتماعية بين اللبنانيين من ضرر، ما تزال ارتدادتها تتفاعل على نطاق لبنان بكافة أهاليه. الأحداث الدامية التي جرت لم تكن "بنت ساعتها"، بل هي تتويج لمسار من الصراع الطائفي، أدخل حزب الله فيه البلد، رداً على انتفاضة الاستقلال، ربيع العام 2005، بعد اغتيال الرئيس الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان. يجهد حزب الله لتقديم الصراع الذي نشب حول انتفاضة الاستقلال، على أنه صراع سياسي بامتياز وغير طائفي، ويرمي خصومه بهذه التهمة. وللتأكيد على مقولته بأنه غير طائفي، يعقد الحزب تحالفات وتفاهمات مع مجموعات وقوى سياسية من طوائف اخرى. بعيداً من الأقوال، وبالنظر الى الأفعال، يحوّل حزب الله الانقسام السياسي الى انقسام طائفي على الأرض. فالمقاومة وسلاحها لحماية الوطن، هي اختصاص شيعي عند الحزب، يتمسك به، ويبعد عنه باقي اللبنانيين! وبناء الدولة هومهمة الآخرين ولا يهمّ حزب الله ، باعتبار أنه يقيم دولته الخاصة. والمطالبة بالمشاركة (في حصة الآخرين) والدعوة الى الديمقراطية التوافقية، وحكومة الوحدة الوطنية والثلث المعطّل، وتوقيف المؤسسات الدستورية...كلها اشكال من السيطرة وممارسة "الفيتو" بوجه الأكثرية، وكلّها تثير الحسّ الطائفي . ينفخ حزب الله بالصراع الطائفي عكس كل المزاعم المضادة. فهو تعامل بخفّة وأثار مشاعر الاستفزاز لدى طوائف بتحقير رموزها، بدءاً بدفاعه عن النظام السوري، وتظاهرة الشكر له ، بعد استشهاد الرئيس الحريري! التي ولّدت انتفاضة 14 آذار، وغطى الاغتيالات في صفوف الأكثرية، وأنسحب من الحكومة لعرقلة اقرار المحكمة الدولية، وطالب باسقاطها وقام بتخوين رئيسها بعد حرب تموز، واعتصم في وسط بيروت وعطّله لما يزيد عن السنة، واحتل شوارع العاصمة وقطعها في ك2 من العام 2007 ... لايقتصر خطر الممارسة الطائفية لحزب الله وعواقبها على مواقفه المذكورة. انما يتعدى ذلك الى ردود الفعل الطائفية التي تستثيرها لدى القوى الآخرى، بحكم التركيبة الطائفية لهذه القوى وعجزها عن تجاوز معادلة الصراع الطائفي. وهذا ما نشهده مع تحالف 14 آذار الذي ينجّر الى استخدام الاسلوب نفسه بالشحن والتعبئة الطائفية لجماهيره لاستنهاضها بوجه خصمه. هذا فضلاً عن خطر تشجيع القوى الاصولية واثارة كل المكنونات الدفينة. لم تنفع كل الأقنعة التي وضعها عناصر حزب الله لتغطية وجوهم أثناء نزولهم الى الشارع في أحداث أيار بإخفاء المضمون الطائفي لهذا النزول، وقد كشف ذلك ما تبقى من لبس. اذ عندما دعا حزب الله الى العصيان المدني، رداً على قراريّ الحكومة "المشؤومين"، كان يفترض أن دعوته موجّهة ضد الدولة ومؤسساتها، لكن ما حصل أن التوجه تمّ ضد الأهالي الآمنين في شوارع بيروت وأزقّتها ومناطق الجبل ومؤسسات تيار المستقبل. ولم يتم التميّيز بين معارض وموالٍ في المناطق التي تعرّضت للهجوم، مما جعل حتى مؤيّدي حزب الله من الطوائف الأخرى، الذين كان يتغنى بتأييدهم له يقفون ضده. تقوم سياسة حزب الله على الاستقواء بالخارج، مما يسعّر الصراع الطائفي الدائر في البلد، ويدفع القوى المقابلة الى الاستقواء بخارجٍ آخر، دفاعاً عن النفس وسعياً وراء التوازن. هذه المعادلة تحوّل البلد الى ساحة للصراع الاقليمي والدولي، لايعود معها الصراع الداخلي مهماً الاّ بقدر مايخدم السياسات الخارجية التي غالباً ما تتم على حساب المصالح الداخلية. وهذا ماتنذر به الأبحاث الجارية حول مستقبل المنطقة. ان أكثر المتضررين من سياسة حزب الله هم أبناء الطائفة الشيعية أنفسهم، الذين يدفعون ثمن ما لم تقترفه أيديهم، ويتلقون نتائج ردود الفعل الطائفية الأخرى على ممارسة حزب الله. وان تحميل الشيعة ككل وزر ما يقوم به حزب الله خطأ جسيم وغير مبرر تحت أيّ ظرف. وان الدعوات التي انطلقت بعد أحداث أيار بمقاطعة مصالح أبناء الطائفة الشيعية في بيروت هي الوجه الاخر لممارسة حزب الله وهي تخدمه بشدّ العصبّية اليه بدل العمل على تفكيكها. مع ممارسة حزب الله نشهد فصلاً آخر من مأزق الصراع الطائفي في لبنان. فكل صراع وطني سياسي واجتماعي يتم على أرضية طائفية يعرّض البنية الداخلية للتفجير والتدمير الذاتي، ويحوّل لبنان ملعباً للصراعات الخارجية، ويجرّ عليه الخراب والويلات. وتاريخ لبنان هو تاريخ من الحروب الأهلية المتعاقبة، التي تليها التسويات، مثلما جرى في اتفاق الدوحة، يتجدد فيها حكم النخب السياسية ونظامها الطائفي، حيث لا يجني فقراء الطوائف الذين يتقاتلون، مثلما يجري حالياً في بيروت، بين طريق الجديدة وبربور، أو في الشمال، بين باب التبانة وبعل محسن، سوى الاستمرار في لوكِ فقرهم! ان الخروج من الحلقة المفرغة للصراع الطائفي، لايكون الاّ بالغاء مصدر تجدد هذا الصراع، الناشىء عن تصنيف اللبنانيين في حياتهم المدنية، بصفتهم رعايا طوائف وليسوا مواطنين، والبدء باصلاح نظام التمثيل السياسي الانتخابي باعتماد النسبية وصولاً الى القيد غير الطائفي. لا بديل من السير نحو الدولة المدنية، بدل دولة المحاصصة الطائفية. وهذه مهمة مطروحة لرفع شعارها على جميع اللبنانيين، والأخصّ منهم القوى الديمقراطية والعلمانية، المطالبة بالخروج من حالة الاحباط والاستقلال عن قوى الاستقطاب الطائفي، وعدم التأخر عن طرح هذه المهمة، تحت أيّ حجة، فليس هناك أيّة أولويّة تمنع ذلك، سوى نبذ العنف والمحافظة على السلم الأهلي. |
| < السابق | التالى > |
|---|