من نافل القول إن التهديدات الاسرائيلية للبنان يجب أن تؤخذ على محمل الجد. وثمة معلومات ديبلوماسية تؤكد "جدية" هذه التهديدات، في الوقت الذي قد يتراءى للبعض ان الوضع الاسرائيلي الداخلي هش الى درجة عدم قدرة القيادة الاسرائيلية على تنفيذ تهديداتها.
الوضع الاسرائيلي يعزّز جدية التهديدات
ففي المعلومات الديبلوماسية ان ايهود أولمرت سيتم استبداله على رأس "كاديما" والحكومة خلال أيلول الجاري. غير ان هذا "التغيير" مصحوب بإتفاق بين "كاديما" و"العمل" على بقاء الائتلاف الحكومي اي على عدم الذَهاب الى انتخابات مبكرة للكنيست. وهذا يعني ان الائتلاف مستمر لنحو عام ونصف العام، وسيحاول "الاستفادة" من ذلك لـ"تحسين" صورته وتعديل "المناخ" الاسرائيلي المائل حالياً لمصلحة "الليكود" وزعيمه بنيامين نتنياهو. ومن أجل ذلك، فإن أولويته تتمثل في "اعادة الاعتبار" للجيش و"هيبته"، ودائرة "الاختبار" هي لبنان وإن كان الهدف الإيراني ـ الموازي ـ قائماً بالفعل.
اذاً، التهديدات الاسرائيلية "جدية" و"حقيقية". ولم يعد سراً أن اسرائيل، في سياق التمهيد لترجمة التهديدات، أعلنت منذ فترة من جانب واحد أن القرار الدولي 1701 "ساقط" متهمة لبنان بإسقاطه. وهذا ما يستدعي بحثا في ما يجب أن يكون عليه الموقف والسلوك اللبناني في مواجهة التهديدات، خاصة ان اسرائيل تتخذ من عدم تطبيق الـ1701 لبنانياً في العديد من مندرجاته ذريعة لأهدافها.
"إتفاق القاهرة" ألغى "إتفاقية الهدنة"
في هذا الاطار، ثمة تجربة سابقة في التاريخ اللبناني تستحق التذكّر والاستحضار.
في تشرين الثاني 1969، وقع لبنان "إتفاق القاهرة" مع منظمة التحرير الفلسطينية. وفي هذا الإتفاق "يتنازل" لبنان لـ"المقاومة الفلسطينية" عن سيادته في منطقة العرقوب، ويبيح لـ"العمل الفدائي" حرية التحرك من هذه المنطقة ضد اسرائيل.
لم تتأخر اسرائيل آنذاك في الرد على"إتفاق القاهرة" فأعلنت من جانب واحد سقوط "إتفاقية الهدنة" للعام 1949، والتي كانت صيغة "العلاقة" بين لبنان واسرائيل. واذا كان صحيحاً تماماً أن "إتفاقية الهدنة" لم تمنع قبل "إتفاق القاهرة" العام 1969 الاعتداءات الاسرائيلية، فان الصحيح تماماً أيضاً أن إسقاط اسرائيل لـ"إتفاقية الهدنة" جعل لبنان مكشوفاً بعد ذلك أمام اعتداءات واجتياحات واحتلالات اسرائيلية مفتوحة.
"إتفاق القاهرة" غيّر موقع لبنان
بطبيعة الحال، إن ما ينبغي تسليط الضوء عليه هو مجموعة عناوين. فإسقاط اسرائيل لـ"إتفاقية الهدنة" نجم عن "ذريعة إتفاق القاهرة". و"إتفاق القاهرة" لا يمكن النظر اليه على انه "تدبير داخلي لبناني" للالتفاف على أزمة ناشبة حينها او لاحتوائها. ذلك أن "إتفاق القاهرة" أتى في 1969 يعلن "توزيع" السيادة على الأرض اللبنانية بين دولة لبنان ومنظمة التحرير من جهة ويعلن إنتقال لبنان من "دولة مساندة" بقرار قمم عربية الى "دولة مواجهة" من جهة ثانية. وبكلام آخر، ان "إتفاق القاهرة" الذي استندت اسرائيل إليه لإسقاط "إتفاقية الهدنة" كان يمثل بالفعل تغييراً ليس في لبنان وحسب بل على صعيد موقع لبنان من الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وعلى صعيد علاقته بالقرارات الدولية أيضاً. فالسيادة بهذا المعنى، ليست "داخلية" فقط بل "خارجية" كذلك.
النقاش في التجربة السابقة هو اذاً نقاش في "ذريعة" توفرت لاسرائيل، وليس نقاشاً في أن اسرائيل عدو. و"شغلة" العدو على كلّ حال أن يتذرع لأهدافه ومصالحه. واذا كان بديهياً ألا يغير"الوعي" اللبناني الحالي لإتفاق القاهرة قبل قرابة أربعين عاماً، في ما حصل تاريخياً بعد ذلك، فمن البديهي في المقابل أن يحكم الوعي الحالي لـ"إتفاق القاهرة" التعاطي مع المرحلة الراهنة.
السيادة و"الوحدة الوطنية" تتقاطعان
وفي هذا "الوعي" ان إمتناع الدولة عن ممارسة سيادتها أو تنازلها عنها أو تقطيعها وتوزيعها، تشكل جميعاً ذرائع للعدو، وتجاه المجتمع والشرعية الدوليين خصوصاً. ولا شك أن الانقسام داخل الدولة وعلى مستوى الاجتماع السياسي وعلى صعيد المجتمع الأهلي عام 1969 حول "العمل الفدائي الفلسطيني"، أنتج إسقاطاً للسيادة فأدى الى ما أدى اليه.. ما يفيد ان السيادة من ناحية و"الوحدة الوطنية" (أو "الوفاق الوطني") من ناحية ثانية تتقاطعان وتترابطان.
20 عاماً لإعادة الإعتبار للهدنة في الطائف
وواقع الأمر، بعد هذه "المقدّمة التاريخيّة"، انّ أخذ التهديدات الإسرائيلية الراهنة على محمل الجدّ، يفترض التنبّه الى عدم إعطاء لبنان الذريعة لإسرائيل لإسقاط القرار 1701 ليلاقي مصير "إتفاقيّة الهدنة" بين 1969 و1987. فليس مطلوباً إنتظار ثمانية عشر عاماً كي يُعاد الإعتبار للقرار 1701 كما جرى كي يُعاد الإعتبار لإتفاقية الهدنة في العام 1987 عندما أقدم مجلس النوّاب آنذاك على إلغاء "إتفاق القاهرة". يومها ألغى المجلس "الملغى" عملياً بخروج قوات منظمة التحرير من بيروت بعد الإجتياح الإسرائيلي عام 1982. ومع ذلك، كان الإلغاء ضرورياً كي يبني إتفاق الطائف عام 1989 عليه ويعلن تمسّك لبنان بالقرار الدولي 425 وبإتفاقية الهدنة بعد تنفيذه.
اليوم، "مع" لبنان إتفاق الطائف وإتفاقية الهدنة والـ1701 وهي "كلّ متكامل". لا يمكن لأحد أن يكون موافقاً على الطائف ومعرّضاً الـ1701 أو إتفاقية الهدنة ـ التي يؤكدها الـ1701 ـ للخطر.
واجبات لبنان في الـ1701
إنّ أخذ التهديدات الإسرائيليّة على محمل الجدّ مِن قبل الجميع، يجب أن يترجمَ إمتناعاً عن تكريس وقائع تعطي إسرائيل ذريعة إسقاط الـ1701. وذلك يفترض تأكيد أحاديّة السيادة للدولة. فالقرار 1701 لا يطبّق بـ"تدابير" لبنانيّة داخليّة "تحايليّة" عليه، لأنّ لبنان يفقد موقعه السيّد حيال المجتمع والشرعيّة الدوليين.
وأخذاً في الإعتبار "الترابط" بين "السيادة" و"الوحدة الوطنيّة"، فإنّ هذا الترابط يتحقّق في الدولة. وبكلام آخر، "على" لبنان تنفيذ واجباته المنصوص عنها في الـ1701، والمسألة ليست مسألة "تنسيق" بين الجيش و"المقاومة". "التنسيق" يعني وجود كيانين وسيادتين. والمطلوب هو "التوحّد" ضمن الدولة، و"تنسيق" الفاعليّات الدفاعيّة داخل الدولة.
"الآليات" الدولية
إنّ بداية أخذ التهديدات الإسرائيليّة على محمل الجدّ تكون بالإلتزام بالـ1701 "بكلّ مندرجاته". وإذ ذاك تتمّ مخاطبة الشرعيّتين العربيّة والدوليّة لمطالبتهما بحماية الـ1701 من الإسقاط الإسرائيليّ.. أي لمطالبتهما بحماية إتفاق الطائف أصلاً.
وفي هذا الإطار، وعلى أهميّة المواقف الدوليّة ـ والعربيّة ـ الداعمة للجيش، والتي تُعلن الإستعداد لتجهيزه وتطويره، فإنّ الأكثر أهميّة ـ بلا منازع ـ هو تفاهم عربيّ ودوليّ على تطوير الآليّات التنفيذيّة للقرار 1701، من أجل لبنان بما يحقّق حمايته من "الإحتراق" في أتون الصراع الإقليميّ وبما يؤدّي الى "تحييده" عنه.
فهل كلّ الذين يأخذون التهديدات الإسرائيليّة على محمل الجدّ، مقتنعون بعدم تكرار ما حصل قبل أربعين عاماً، أي بعدم إعطاء ذريعة إسقاط الـ1701 كما أسقِطت "إتفاقية الهدنة" طوال 18 عاماً؟