| المرحلة الأخيرة |
| الكاتب/ محمد بركات | |
| Saturday, 05 July 2008 | |
|
لنعد قليلا إلى الوراء. لنعد إلى السادس من أيار، حين كان اللبنانيون يتناقشون في رفع الأجور والمئتي ألف ليرة التي أقرّت الحكومة زيادتها. لم يكن أحد يتوقع أن تبدأ الحرب الأهلية الجديد ة في السابع من أيار. يومها كان لبنان يعيش في المرحلة الفاصلة بين اغتيال الرئيس رفيق الحريري وبين بدء الحرب الأهلية. الفترة التي امتدت من الرابع عشر من شباط من العام 2005 حتى السابع من أيار من العام 2008. الفترة التي خاض خلالها لبنان حربين تمهيديتين، الأولى مع إسرائيل في تموز من العام 2006، والثانية مع "فتح الإسلام" في أيار من العام 2007، لتبدأ الحرب الأهلية في أيار من العام 2008. المرحلة الإنتقالية هي ما كنّا نعيش فيه ونظنّ أنّها المرحلة الأخيرة من الخطورة الأمنية والسياسية والإجتماعية. هذه المرحلة بدأت باغتيال زعيم المعارضة التي كانت ناشئة حينذاك الرئيس رفيق الحريري. واستمرت هذه المرحلة باغتيال قيادات من هذه المعارضة، ومن ثم بحرب مع إسرائيل، لأنّ البادىء كان "حزب الله" بتحرّشه وخطفه جنود إسرائيليون. هذه الحرب كان المطلوب فيها رسم قواعد جديدة للعبة الإقليمية، وفشل نسبيا، لأنّه اضطر بقبول قوات متعددة الجنسيات في مناطق نفوذه الأساسي في الجنوب اللبناني. حاول "حزب الله" من بعدها رسم حدود جديدة للعبة الداخلية من خلال المطالبة باستقالة الحكومة ومحاصرة مقرّ رئاسة الحكومة في وسط بيروت واحتلال وسط بيروت، لكنّه اصطدم بالبعد المذهبي للمعركة الداخلية، وبتدخل المملكة العربية السعودية ومفتي الجمهورية اللبنانية، مفتي الطائفة السنية الدكتور محمد رشيد قباني. وعضّ "حزب الله" على فشله، وقرّر تأجيل سيطرته على لبنان إلى حين تقوية حلفائه من السنة (عمر كرامي وعلماء دين سنة) ومن الدروز (وئام وهاب وطلال أرسلان) ومن المسيحيين (ميشال عون). ثم كانت الحرب في نهر البارد، وفيها حاول "حزب الله" الدفاع عن الميليشيا السنية التي كان يربيها النظام السوري وكانت ستقوم، في السابع من أيار، باحتلال الشمال. حاول الامين العام لحزب الله أن يضع خطا أحمر أمام دخول الجيش إلى مخيم نهر البارد للقضاء على "فتح الإسلام"، لكنّه فشل أيضا. ثم كانت المرحلة الأخيرة. لم يبق أمام "حزب الله" سوى السيطرة على السلطة، وقل على الأمن، في بيروت ولبنان، تمهيدا لإنهاء مسيرة المرحلة الإنتقالية والدخول في المرحلة الجديدة، حيث يكون هو الدولة، وليس دولة داخل الدولة. الدولة الجديدة ربما يكون صحيحا أن "حزب الله" ليس ضد منطق الدولة، لكن السؤال هو: أي دولة؟ الدولة السيدة الحرة المستقلة؟ أو الدولة التي تسهّل عمله وفق أجنداته المحلية والإقليمية والدولية؟اليوم أثبت "حزب الله" انّه مع الدولة، وأنّه لا يريد الإنفصال والطلاق، كما طلب رئيس "اللقاء الديمقراطي" وأحد زعماء المعارضة النائب وليد جنبلاط."حزب الله" يريد الدولة على مقاسه، ولا يريد، بعد اليوم، أن يقال إنه خارج على الدولة. اليوم يرسم "حزب الله" دولة المقنعين والسيطرة على بيروت بالقوة وإسكات وسائل الإعلام، دولة أقرب إلى النموذج السوري والإيراني، وليس في هذا القول شتيمة، لأنّ "حزب الله" لا يعتبره شتيمة. الدولة الجديدة ليست إسلامية ولا شيعية، على ما ادّعى قياديون في قوى الرابع عشر من آذار، فيها من المسيحيين ومن السنّة ومن الدروز ما يكفي لإضفاء بعض التنوع ولإلقاء بهارات على الطبخة الجديدة. الدولة الجديدة التي يقترحها، أو الأحرى يفرضها "حزب الله" هي الدولة الهامشية، أي الدولة الخارجة على الدولة، بدل أن يكون حزبا خارجا على الدولة. وهذه الدولة لا تبالي بالتوازنات الدولية أو بالمنطق الدولي، بل هي دولة، باختصار، مارقة. ماذا يجري؟ قبل كلّ ذلك، تقتضي الدقة إعادة توصيف ما يجري: ليست حربا أهلية، إنّه اجتياح من مسلحي "حزب الله" و"حركة أمل" للمناطق التي تسكنها جماهير قوى الرابع عشر من آذار في بيروت. إذ أنّ القلة القليلة من المسلحين في "تيار المستقبل"، الذين كانوا يحملون أسلحة فردية خفيفة، لم يقاتلوا بالمعنى الحقيقي، بل كانوا يحاولون الدفاع عن منازلهم ... وفشلوا، فسلموا الجيش اللبناني مواقعهم، التي هي مكاتب في الحقيقة وليست مراكز أو مواقع. وهذه المكاتب تستعمل في الإنتخابات النيابية وفي التحضير للتظاهرات وفي توزيع المساعدات وفي تجميع شبان المنطقة وفي مختلف أنواع التحركات والنشاطات المدنية، السياسية والإجتماعية، وليست بأية حال من الأحوال مراكز أمنية أو عسكرية. إلا إذا اعتبرنا أنّ اجتماع عشرة أو عشرين شخصا بشكل دائم في شقة سكنية يعتبر عملا عسكريا أو أمنيا. خفتوا شي؟ في الرابع عشر من آذار لم تكن الجموع مليونية لأنّ كثيرين قرروا قضاء يوم في الشارع، بل لأنهم كسرواحاجز الخوف من السوري ونظامه، أما تحرير الجنوب في العام 2000 فكان حصيلة كسر حاجز الخوف من الإسرائيلي وجيشه، والإيمان بالقدرة على هزيمة هذا العدوّ، واليوم لا يمكن مواجهة الإنقلاب الذي يقوم به "حزب الله" إلا من خلال كسر حاجز الخوف من "حزب الله" ومن مسلّحيه، وببدء سلسلة تحركات مدنية سلمية في بيروت تعيد التذكير بالثقافة المدنية وبقدرة المدنيين على الإمساك بالسلطة والحكم من دون أسلحة.
|
| التالى > |
|---|
لا تحالف رباعي جديد ... والسلاح صار على الطاولةسمير فرنجية: الدوحة حل مؤقت وليس نهائيا وسنخو