هذا الموقع قيد التجربة
الصفحة الرئيسية arrow وثائق اليسار الديموقراطي arrow مشروع الوثيقة السياسية لحـركـة اليـسـار الديموقراطـي
مشروع الوثيقة السياسية لحـركـة اليـسـار الديموقراطـي

تلاقينا منذ فترة، أعضاءً في مجموعات كبيرة وصغيرة وأفراداً مستقلين، يساريين من مشارب فكرية متعددة، ماركسيين وغير ماركسيين، من أعمار ومواقع واختصاصات مختلفة، ومن تجارب حزبية وطالبية واجتماعية ونقابية ومهنية وثقافية متنوعة. تقاطعت في السنوات الماضية مواقفنا في أكثر من استحقاق داخلي وخارجي، وولّد هذا التقاطع اقتناعاً مشتركاً لدينا بضرورة العمل لتأسيس فاعلية جماعية في مواجهة التحديات، وبضرورة التجمع للتواصل مع مجتمعنا ومشاركته أسئلته واستنهاض قواه الحية. من هنا كان قرارنا تأسيس حركة اليسار الديموقراطي، حركة تتجاوز شرط وحدانية الفكر وتعكس الفهم المشترك للتنوع، وتتعاون فيها التيارات ويتفاعل كل منها مع بيئته الاجتماعية والثقافية. حركة تعتمد الديموقراطية وتعيشها داخلياً عبر الحوار والتنافس والنقد والتقويم والانتخاب والعمل القطاعي. حركة تقطع مع تجربة الحزب الثوري الانقلابي والمفهوم المركزي المتشدد، وتحترم استقلالية الهيئات المجتمعية والنقابية. حركة تسعى الى التغيير السلمي الديموقراطي في لبنان على قواعد الاستقلال وبناء دولة الحق والقانون والعدالة الاجتماعية. حركة تدعو الى بناء ائتلاف اليسار على تنوع مكوناته، للعب دوره على مساحة الوطن. حركة على تواصل مع يساريين ديموقراطيين في فلسطين وسوريا وسائر البلاد العربية، يناضلون للتحرر وللإصلاح والتغيير في بلادهم، مواجهة للأنظمة القمعية تجاه شعوبها والمتخاذلة تجاه العدوانين الإسرائيلي والأميركي على فلسطين والمنطقة. وحركة تنفتح على التجارب اليسارية الجديدة في العالم، لا سيما في أوروبا وأميركا اللاتينية وجنوب أفريقيا، وعلى نضالات الحركات العمالية والاجتماعية وتحالفات قوى العولمة البديلة. لا ندعي أننا نملك أجوبة عن الأسئلة الكثيرة المطروحة حول معنى اليسار اليوم، ولا ندعي أننا في ما نكتبه ونقوم به نبدأ من نقطة الصفر. فتجارب اليسارين اللبناني والعربي علمتنا الكثير، وبعضنا كان جزءاً منها بإنجازاتها وإخفاقاتها، بأخطائها وفضائلها، ونحن سنحاول أن نكون في أقوالنا وأعمالنا في مراجعة ومساءلة دائمين لها، من دون عقد ومن دون أوهام وبأفق مستقبلي.

سنواصل البحث وطرح الأسئلة أنطلاقاً من اقتناعنا بأن العلاقة الجدلية بين الفكر والواقع هي سبيل تلمس الأجوبة؛ الفكر المتحرك بعيداً عن أي جمود أو قدسية، والنضال من داخل المجتمع ومؤسساته لا إسقاطاً عليه وقسرية في قيادته.

وثيقتنا حصيلة سجالات وحوارات طويلة، وهي مبنية على مساهمات جماعية وفردية عديدة ونصوص مكتوبة عبرت عن قواسم مشتركة بيننا. وثيقتنا غير شاملة، وأقرب الى التعبير عن تحليلنا للواقع وطرحنا بعض سبل تغييره، وهي للنقاش، وستضاف إليها مجموعة نصوص تبلور فهمنا لليسار ودوره وأشكال نضاله وبرامجه الاقتصادية.

لا تطور من دون أسئلة وبحث، ولا فاعلية من دون تماس يومي مع الناس. نحن ندعو اليساريات واليساريين، الديموقراطيات والديموقراطيين الى الانخراط في العمل، في كل مدينة وبلدة في لبنان، وفي كل موقع مهني واجتماعي، وفي كل قطاع إنتاجي، تأسيساً لحركة اليسار الديموقراطي وتفعيلاً لها.

في الهوية والصيغة التنظيمية

إن أولى نقاط الإنطلاق نحو إعادة تعريف اليسار، هي تعريفه خارج إطار المفاهيم الضيقة والفئوية، التي سادت في حقبة الإشتراكية السوفياتية. وهذا يفترض، ليس فقط النظر إلى الماركسية كمنهج علمي وغير وحيد لتفسير العلاقات والجدليات الاجتماعية والاقتصادية، بل أيضاً عدم اعتبارها شرطاً إلزامياً للتعاقد في ما بيننا كيساريين. فاليسار أوسع من الماركسية، ويمكن أن يضم في حركته ماركسيين وغير ماركسيين. إن الإلتقاء بين المناضلين في حركة اليسار الديموقراطي يقوم على الإتفاق على مواجهة الرأسمالية السائدة والنضال من أجل تجاوزها لصالح مجتمعات إنسانية عادلة تحترم الإنسان وحقوقه وعمله، وتقوم على التوزيع العادل للثروات، وتؤمن بالديموقراطية وتمارسها. ويتطلب الالتقاء هذا، منا ومن غيرنا، إعادة درس تجربة الإشتراكية والفكر الإشتراكي عموماً، بعقل نقدي ومنفتح على النظريات والمفاهيم المختلفة من دون أحكام إيديولوجية مسبقة. كما أنه يتطلب تحديداً دقيقاً لطبيعة المرحلة التي نخوضها كيساريين عرب في مجتمعاتنا، وهي مرحلة بناء ديموقراطي تتداخل مع مهمات تحرر وطني، واستعادة السيادة والإستقلال. إن المراجعة النقدية التي نريدها لتجارب اليسار السابقة لا تبحث عن نقد سطحي وخروج لفظي من إطار الجمود الذي طبع الحركة الشيوعية المعتمدة الستالينية مرجعاً في السياسة والتنظيم، والاشتراكية السوفياتية نموذجاً في الاقتصاد والاجتماع، بل تقطع معها وتتجاوزها على الصعد الفكرية والعملية. ولم يعد يمكننا أن نلجأ، ونحن وسط التقييم والأسئلة ومحاولات التجديد، الى مفاهيم منجزة لنعرّف بها يسارنا كمثل اعتباره "حركة الاشتراكية" (أو حزبها). فالاشتراكية لم تعد اليوم نموذجاً عملياً ناجزاً، بل إطار نظري أخلاقي لمشروع أممي بعيد المدى، وثمرة تحولات كبرى في النظام العالمي. وبالتالي، صار لزاماً علينا أن نحدد صورتنا لا في الأهداف الخيالية بل في المعارك الملموسة من أجل التغيير، وعلى أساس معايير الإمكان أكثر من معايير الجذرية. فمهمة قوى اليسار هي أن تغير الواقع لا أن تنظّر لتغييره. وهذا هو الفرق بين قوى عالية الشعارات والصوت عاجزة عن تغيير الواقع المادي، وقوى أقل جذرية في شعاراتها لكنها أكثر فاعلية في عملية التغيير. وفي هذا التمييز ما يحدد البرامج والخطط، والتحالفات والممارسات.

1- في مكونات هويتنا كيساريين لبنانيين: بناء على ما ذكرنا، يتكون فهمنا لهويتنا كيساريين انطلاقاً من تطلعاتنا التغييرية، ومن الواقع المادي الذي نعيش. ونحن بهذا المعنى، نعمل:
-  من أجل تقدم المجتمع اللبناني، بحيث لا تناقض بين عدالة التوزيع وتعزيز الإنتاج. لقد كانت الأولوية عندنا للتوزيع بمعزل عن حوافز الإنتاج ومقوماته، وغالباً على حسابها. وعلينا اليوم أن نعمل لبناء اقتصاد مزدهر، متمحور على قدراتنا، مساهم في تثبيت بنية متوازنة ودولة مستقلة ومستقرة مع تطوير نظام الضمانات الاجتماعية وتعديل النظام الضريبي لجعله يستند إلى السلّم التصاعدي وإلى الضريبة المباشرة. وهذا يعني، على المستوى الاجتماعي، أننا نطمح للدفاع عن مصالح قوى الإنتاج التي تسحقها وتحاصرها آليات نظام السوق المنفلتة. مع تحديد واضح للأولويات والأهداف في كل معركة اجتماعية، بحيث لا يضحّى بحقوق العمال والأجراء، ولا تنتهك ضرورات النمو الاقتصادي.
-  من أجل يسار النضالات الاجتماعية والنقابية، المدافع عن ذوي الدخل المحدود وصغار الكسبة، العامل في سبيل العدالة الاجتماعية، من دون تحجر أو "تزمت طبقي" كالذي مورس باسم الطبقة العاملة حيناً، وبالنيابة عنها حيناً وعن جميع الكادحين أحياناً.
-  من أجل يسار النضالات الانسانية، المدافع عن قضايا المهمشين والمستغلين والمعوقين، ومن أجل يسار يناضل في سبيل مساواة المرأة والرجل بعيداً عن النظم الذكورية والبطريركية المتحكمة بالمجتمع والقامعة النساء والمميزة ضدهن في القوانين والممارسات.
-  من أجل يسار يدافع عن حقوق الانسان وعن الحريات العامة والخاصة وعن الحق في التعبير والابداع في وجه القمع والظلامية والرقابة.
-  من اجل يسار يدافع عن البيئة وعن الصحة العامة في وجه الجشع الربحي الرأسمالي، المنتهك الموارد والثروات الطبيعية الحاضنة الإنسان والحامية صحته.
-  من أجل يسار يبني سياساته وبرامجه بالتفاعل مع الثقافة والفكر الإنسانيين بكل تياراتهما، يغتني بمعارف العصر وعلومه، ويسعى لأن تكون السياسة غير مفصولة عن القيم الانسانية، والممارسة تعبيراً صادقاً عن القول. على اليسار أن يستعيد تلك الصورة التي ميزت مراحل نهوضه: صورة التوثب والاستعداد الدائم للتلقي والعطاء والتحاور مع كل حركة وكل صعود جماعي لقوى المستقبل.
-  من أجل أن نكون قوة فاعلة في مجتمعنا بالمعنى الدقيق للكلمة. فشأننا هو الشأن السياسي - الاجتماعي، ومعيار الانتماء إلى تيارنا ينبع من هذا المجال تحديداً. نحن يسار يرفض أن يعرَّف بالإلحاد فينعزل عن محيطه، مثلما يرفض تحويل الدين إلى سياسة وفرضه على المجتمع والدولة. وهو إذ يدعو إلى نظام علماني وإلى إلغاء الطائفية في الحياة العامة، يتيح لكل عضو من أعضائه أن يعبّر عن اقتناعاته في مجال الدين، كل في حيزه الخاص. فالإيمان اقتناع فردي لا علاقة لليسار به، كما لا علاقة له بالخيارات السياسية والاجتماعية للإنسان.
-  من أجل ديموقراطية تقوم على نظام إنتخابي يمثل الرأي العام، ويؤسس لدولة عصرية على حساب الزعامات الطائفية والتقليدية، تضمن حقوق الإنسان والمواطن، وتحترم الفصل الفعلي بين السلطات وأدوارها. علينا النضال لإحداث إصلاح عميق في النظام السياسي، والإدارة، وتحديد دور الأجهزة الأمنية كلها بصورة لا تقبل أي تطاول على القانون، واحترام حرية الرأي الفردي والجماعي وأشكال التعبير عنه.
-  من أجل وطن كامل الإستقلال حيث الوطنية نقيض لكل أشكال الانغلاق والعنصرية ورفض للتذويب وطمس الخصوصيات، وحيث الانتماء إلى عالمنا العربي انتماء حضاري وثقافي وخيار سياسي واقتصادي لا مخابراتي أو أمني.
-  من اجل يسار يعمل لبناء مجتمع عربي ديموقراطي، تقوم وحدته على تنوع مكوناته وتفاعلها، وعلى المصالح المتبادلة لشعوبه ودوله، وتعزز أسسه من خلال تكامل اقتصادي واجتماعي متصاعد وطوعي بين مختلف أجزائه.

إن هذه الأهداف ليست بالطبع "نهاية التاريخ"، ولا هي حدود النضال الأخيرة. فالصراع الاجتماعي والسياسي المفتوح والقائم على التوق المستمر إلى التقدم والعدالة هو الذي يحدد طبيعة الأهداف في كل مرحلة. لكننا نعتبر أن تحديد الأهداف النهائية سلفاً، ومن دون سند كاف في المعطيات الموضوعية، ضرب من التنجيم والتعسف بحق التاريخ والحركة الاجتماعية. نحن نتطلع إلى مبادئ وقيم، لكننا لا نستطيع أن نقرر منذ الآن آليات تحققها وصيغها، فذلك رهن بتناقضات المستقبل وبمستويات نضج الوعي، وتوازنات القوى، وغيرها من العوامل.

2- في أن تنظيمنا انعكاس لفهمنا للديموقراطية: لا بد للمنادين بالنضال اليساري بهدف التغيير الديموقراطي وبالقطع مع تجارب الأحزاب الانقلابية والمركزية المتشددة، أن يعملوا على بناء تنظيم يجسد رؤيتهم للديموقراطية، وينتج أفضل علاقة بين حركة اليسار ومحيطها الاجتماعي، ويطور روابط التكامل والتمايز بين الفرد والجماعة، كما العلاقة بين الجماعات في المواقع المختلفة. لقد ارتبطت نظرية المركزية الديموقراطية بفلسفة التغيير الانقلابي، وبممارسات إسقاط الهيئات القيادية والخيارات على قواعد الحزب السياسي وقطاعاته وعلى المجتمع عامة ومصادرة حيوياته. كما أن هذه المركزية قامت على نظام انتخاب أكثري للهيئات، أثبت تنافيه مع مبادئ الديموقراطية بما هي تمثيل عادل لمختلف الحساسيات والتيارات. إنطلاقاً من ذلك، نرى أنه من واجب حركتنا فهم: أ - أن أهمية دور القيادة ناجمة عن كونها الجهة الأكثر تمثيلاً وليس العليا (أو الدنيا). ولكي تكون كذلك من المفترض إبراز هذه السمة عبر تنقية التمثيل والاختيار من كل الشوائب. ومما لا شك فيه أن الصيغ التي تؤمّن حضور الرأي العام الحزبي وحساسياته في القيادة هي الصيغ الفضلى، وأن الانتخاب المباشر من كل أعضاء الحركة وعلى أساس النسبية، يشكل الصيغة الأنسب لحسن التمثيل وشموليته. وهذا المنطق في الانتخاب يجب أن يشمل هيئات الحركة كافة في دائرة عملها، مناطقية كانت أم قطاعية. إن منطق الانتداب يقلص شمولية التمثيل كما أنه يعتدي على حقوق العضو. لذلك يفترض تجنب كل الصيغ الانتدابية التي تلجأ إليها الأحزاب المركزية في الانتخابات بهدف الوصول إلى نوع من الصفوة المختارة، مما يتسبب في ضعف مشاركة الأعضاء ويحد من قوة اختيارهم. ب - أن الاصطفاف على أساس تيارات وبرامج داخل الحركة هو أساس الحيوية والفعالية السياسية، والشكل الأمثل لتمثيل الحساسيات المختلفة ولتعاونها خدمة لقضاياها. ج - أن الجهة المقررة يحددها نوع القضية وموقعها وحدود تأثيرها (مناطقية - اختصاصية). د - أنه لا يجوز لـ"العام" أن يتعاطى مع "الخاص" أو القطاعي أو الموضعي من دون احترام كافٍ لاقتناع الجهة المعنية بالقضية الخاصة. هـ - أن العام هو أيضاً محصلة لتفاعل الرؤى والمعطيات الموضعية (الخاصة). فبقدر ما يتم الدمج التكاملي بين هذين المستويين (العام والخاص)، وبقدر ما تكون العلاقة بين المستويات مستندة إلى نظم تصون التوازن والمشاركة النسبية، وتلبي الموضوعية وسلامة الالتزام معاً.

بناء على هذه المبادئ، سنجد أنفسنا أمام علاقات جديدة بين مختلف الهيئات في حركة اليسار الديموقراطي. وموقع هذه الهيئات من بعضها ليس تراتبية الأعلى والأدنى وإنما علاقة بين الأخص والأعم، بين الأكثر تمثيلاً والأقل تمثيلا.ً وهذه وظائف لا يمكنها أن تعمل من دون منطق التكامل والحرص على أن تقوم كل واحدة منها بوظيفتها وفق علاقتها مع الواقع الذي افترضها. ويجب أن تكون حدود السلطة محكومة باحترام الوظيفة الخاصة لكل هيئة، وتجاوز ذلك لا بد أن ينتج خللاً موضعياً وعاماً. إن السمة العامة لهذه الرؤية ولهذه العلاقات هي الديموقراطية، ولطالما كانت الديموقراطية صمام الأمان للحفاظ على الوحدة ولتلبية موجبات التطور. كما أننا، انطلاقاً من هذه المبادئ، سنجد أنفسنا أمام ضرورة إعادة النظر في مجمل أشكال انخراطنا السابق مع مؤسسات المجتمع، أكانت نقابية أم ديموقراطية عامة (طالبية وشبابية ونسائية وأندية ثقافية وجمعيات بيئية وتعاونيات...)، آخذين في الاعتبار، الجهود الكبيرة المبذولة على مر السنين والتضحيات العالية التي من المفترض تقديرها. وهذه المؤسسات ليست في ذاتها المسؤولة عن المآزق التي وصلت إليها، وإنما لكونها استندت إلى خلفيات غير مناسبة لتطور علاقتها مع الواقع، مما أفقدها القدرة على تطوير صفتها التمثيلية لدى الجهات المعنية بنضالها. لقد حصل التناقض بين أولويات الأحزاب المركزية، وأولويات النقابات والمؤسسات الديموقراطية على تنوعها، وهذا التناقض مرده غياب فكرة التكامل وتعدد الوظائف، وطغيان اعتبار أن الأحزاب هي الغاية النهائية لكل أنواع الانخراط عند أعضائها، وهي أداة الثورة وهي أداة التغيير النهائي. نظرتنا اليوم تقوم على فهم التغيير في وصفه عملية مستدامة ومتطورة ومعقدة ومتنوعة المستويات وغير قابلة للإنجاز النهائي، وتشارك في صوغها مكوّنات المجتمع المعنية بحكم قيمها ومصالحها بها. وحتى الثورة، كفعل تغيير جذري، ليست قطيعة كاملة بين ما قبل وما بعد، وإنما هي عمل تفرضه أحياناً ممانعة متمادية ورافضة لمنطق التغيير والتطوير المستمر. وإذا لم تسارع القوى "الثورية" لمعاودة التواصل مع مجتمعها بعد "الثورة"، فإنها تقع في خانة المعيق لمسيرة التغيير ولمسار التطور.

محاولتنا في تجديد التجربة والفكر ليست جديدة ولا نهائية، ولا نعتبر أنها مهمتنا وحدنا، بل هي مهمة كل القوى التقدمية في لبنان والوطن العربي. حركة اليسار الديموقراطي، ما هي إلا فصيل من اليسار الجديد الذي يحاول أن يفك الطوق الفكري والسياسي الخانق المفروض على قوى التغيير التقدمية، نحو فتح الآفاق والعمل المتجدد لهدم الأسوار والأبواب المحكمة الإغلاق أمام الأجيال الجديدة، وأمام القوى الإجتماعية صاحبة المصلحة في التغيير الديموقراطي والإجتماعي، وأمام شعوبنا المحاصرة بمأزق الإستبداد الداخلي، والإحتلال والعدوان الخارجيين، وعقم أكثر حركات الإحتجاج والممانعة القائمة وماضويتها.

في الظروف الدولية والعربية الراهنة

يواجه لبنان اخطاراً ذات طابع مصيري في هذه المرحلة، من شأنها أن تؤثر بنيوياً في مسار تطوره اللاحق لسنوات أو عقود. ولا تقتصر هذه الاخطار على تبعات الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية داخله فحسب، بل إن عناصر بالغة الخطورة عليه تنبع من التطورات على المستويين العالمي والإقليمي، وتجعله، كما غيره من البلدان، في قلب تأثير هذه التطورات، وأبرزها: تداعيات 11 أيلول والعولمة الأمنية والعسكرية، وإحتلال العراق والمشاريع الأميركية لأحكام السيطرة على المنطقة، وتصاعد العدوان على فلسطين وشعبها.

أ - تداعيات 11 أيلول والعولمة الأمنية والعسكرية لم يكن ما جرى في 11 أيلول حدثاً معزولاً بلا تاريخ أو بلا أسباب ومقدمات. إن حلقة المواجهات الحالية، هي بمثابة دورة فرعية ضمن الدورة الأكبر والأشمل للتحولات العالمية التي أطلقها انهيار نظام الثنائية القطبية، والتي تتميز باندفاع عدواني لنمط من العولمة الليبيرالية، مع سعي لبناء نظام شامل أحادي القطب تهيمن عليه الولايات المتحدة الأميركية. لقد أدت هذه التحولات إلى إطلاق سلسلة من الأحداث، وسط خلل كبير في التوازن العالمي في غير صالح الشعوب، ولا سيما شعوب العالم الثالث، تمثل باعتماد آليات اقتصادية وسياسية عالمية منحازة بالكامل لمصالح عدد قليل من دول المركز ونخبه الاقتصادية، وأدت إلى تركُّز الثروة العالمية والقرار العالمي في هذه الدول، وإغراق معظم بلدان الأرض وشعوبها في الديون والفقر. كما أن الاختلال الحاسم في موازين القوى، سمح للولايات المتحدة على وجه الخصوص، بالعودة لاستخدام الحرب والاحتلال والغزو باعتبارها أدوات مباشرة لتحقيق أهدافها السياسية، فارضة على حلفائها الانضمام إلى حروبها، وعلى الأمم المتحدة الموافقة عليها وتغطيتها وتسهيل بلوغها لأهدافها، أو التهميش واللافاعلية. إن سياسة الهيمنة الأحادية، وخطاب الغطرسة الأميركي تجاه شعوب العالم قاطبة، قد ولد في المقابل عداءً في كل قارات الأرض ضد السياسة الأميركية، وضد هيمنتها، بما في ذلك في أوروبا واليابان وداخل الولايات المتحدة الأميركية نفسها. وهو ساهم في خلق حركات اجتماعية وتحالفات دولية تناضل في سبيل عولمة بديلة وعالم أكثر توازناً وعدلاً وسلاماً. على أن ردود الفعل الرافضة للهيمنة الأميركية وللاختلالات الاقتصادية والاجتماعية لا تقتصر على أشكال التعبير الاجتماعي والمدني والسياسي الديموقراطية فحسب، بل تشمل أيضاً أشكالاً من الاعتراض المتطرف والإجرامي، يتغذى من القهر والشعور بالمهانة الذي تعيشه شعوب العالم الثالث الفقيرة ومن فكر بعض التيارات الماضوية، فيندفع نحو عنف أعمى، كالذي شهدناه في نيويورك (ومن ثم في بالي والرياض والدار البيضاء ومدريد وغيرها من المناطق، وإن في ملابسات مختلفة). وما يزيد من تعقيد الوضع، تصاعد حدة الصراع العالمي الذي يتم على خلفية ضعف البدائل اليسارية والديموقراطية، أو غيابها، ولاسيما في الدول العربية والاسلامية نتيجة القمع والاستبداد والرهانات الخاطئة، مما يضيق الآفاق المستقبلية ويجعل مآلات هذا الصراع ونتائجه غير مضمونة من وجهة نظر مصالح الشعوب وتقدم البشرية.

ب - احتلال العراق والمشاريع الأميركية لأحكام السيطرة على المنطقة تقع البلدان العربية في قلب التحولات العالمية السياسية والاقتصادية الحالية وتعاني عسكرياً من نتائجها، ولا سيما في العراق وفلسطين. فحرب الخليج الثانية في بداية التسعينات من القرن العشرين (بالإضافة إلى الحرب في يوغوسلافيا السابقة وعليها)، كانت التجلي الأكثر أهمية في التحول إلى استخدام الحروب في حسم الصراعات بشكل مباشر ومنفرد من الولايات المتحدة (وحلفائها) بمعزل عن منظومة المؤسسات الدولية والآليات التي تمت صياغتها غداة الحرب العالمية الثانية لحل النزاعات العالمية والإقليمية. وبعد اعتداءات 11 أيلول، تم الاندفاع في صيغة أكثر تطرفاً من هذا النسق الاستعماري العسكري الجديد، بدءاً بأفغانستان ووصولاً الى الحرب على العراق واحتلاله. في المقابل، تعاني الحكومات العربية، لا سيما تلك التي تدور في الفلك المباشر للسياسة الأميركية، صعوبات حقيقية في اتخاذ موقف صريح إزاء التطورات الأخيرة. وهذه الصعوبة هي النتيجة الطبيعية للسياق السياسي الذي اندفعت فيه منذ عقود، والذي ربطت بموجبه مصالحها كسلطات، بمصالح الولايات المتحدة الأميركية في العالم، وفي المنطقة. إن انفجار الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية، وبعض أدواتها السياسية والمخابراتية السابقة، قد أصاب بشظاياه حلفاء أميركا الأساسيين في المنطقة، ولا سيما باكستان وسلطات البلدان الخليجية. فالإيديولوجيا الدينية السلفية والجهادية، التي تشبعت بها هذه الحركات بدعم من بعض الأنظمة العربية ومن الولايات المتحدة الأميركية في المرحلة السابقة في مواجهة السوفيات في إطار الحرب الباردة، وفي مواجهة البدائل الديموقراطية والعقلانية في المجتمعات العربية، كان لا بد أن تؤدي في سياق تطورها الطبيعي إلى مطالب تتناقض مع السياسات الأميركية ومع سياسات الحكومات العربية نتيجة التحولات في الساحة العالمية التي لم تكن مهيأة لاستيعابها. وهذه الحكومات تجد نفسها الآن أمام ضغوط الولايات المتحدة الأميركية المتزايدة من جهة، وأمام ضغط جمهور تمت صناعة وعيه ورؤاه السياسية على قاعدة الإسلام السياسي السلفي من جهة ثانية. وبذريعة "المصلحة الوطنية في ظل هذا الوضع الحساس"، توضع سقوف على الصعيدين العربي العام والوطني، لحركة الاعتراض على العدوان الأميركي، تتفاوت بين بلد وآخر ولكنها تشترك كلها في كونها تراوح بين حد الاحتواء والمصادرة، وحد قمع حرية التعبير عن الموقف، والضغط لحصر أشكال الاحتجاج ضمن منتديات النخب المحدودة العدد، والضغط على الحركات الدينية والشعبية عموماً لإبقاء أشكال اعتراضها تقتصر على التنفيس والتعبير عن الموقف من دون أن يقترن ذلك بخطوات عملية لتحويل هذا الموقف إلى فاعلية تؤثر في تعديل الموقف السياسي الرسمي. ولكن هذا السلوك قصير النظر، وهو لا يعالج إطلاقاً أساس المشكلة بل يحصرها ويكبتها، فيما عناصر الاحتدام تتراكم من دون قنوات تتيح تنفيس الاحتقان الذي قد ينفجر في أي لحظة بحكم التراكم، أو بحكم الانفعال أمام تطور غير محسوب يثير ردود فعل غير قابلة للضبط. في هذا السياق العالمي والعربي، ونتيجة مصالح نفطية وصناعية وعسكرية متداخلة، وعلى قاعدة إيديولوجية يمينية ودينية متطرفة وتحريض من كتل الضغط الموالية لإسرائيل، وفي تحدّ للأمم المتحدة وأعضائها، شنت الولايات المتحدة الأميركية (وحليفتها بريطانيا) حرباً على العراق قادتها الى احتلاله واعتماده نقطة ارتكاز لتهديد المنطقة ورفع مستوى الضغط السياسي على دولها. وقد مثلت الحرب على العراق ذروة التفرد الأميركي من جهة، وذروة الممانعة الدولية في وجهه (لا سيما ممانعة فرنسا وألمانيا وروسيا والصين والبرازيل) من جهة ثانية، وذروة الخنوع والغياب الرسمي العربي من جهة ثالثة. وجاء السقوط المروع لبغداد والتفكك السريع لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها ليظهر مرة جديدة أن الأنظمة العربية التوتاليتارية والمخابراتية هشمت مجتمعاتها ودمرت فكرة الدولة والمؤسسات، بحيث تسود الفوضى بمجرد انهيار الهياكل القمعية القائمة، ليس لغياب الوعي الوطني لدى الناس، بل لتفكك أوصال العلاقات السياسية وانتفاء شروط التعاقد الاجتماعي الوطني. إن مشهد العراق اليوم تحت الاحتلال، حيث العنف وصعود العصبيات الطائفية والإثنية، واختلاط العمل المقاوم للاحتلال بالإرهاب ضد العراقيين والتسلط ضد النساء والاعتداء على المرافق العامة والخاصة وخطف الأجانب والاعتداء على المؤسسات الدولية، هو مشهد قابل للاستمرار، ما لم تتدخل الأمم المتحدة أمنياً واقتصادياً، وما لم يتحرر العراق من الاحتلال وتنظم انتخابات وطنية حرة يشارك فيها جميع العراقيين وينبثق منها حكم وطني، وما لم يصار الى الاستفادة من طاقات العراق البشرية والمادية التي يمكن أن تجعل منه قوة عربية أولى ومركزاً إقتصادياً متطوراً يلعب دوراً ناشطاً في المنطقة ككل. ومن الضروري أن تلعب القوى الديموقراطية والتقدمية والدينية المتنورة دوراً مهماً لمصالحة العراقيين مع سائر العرب، بمعزل عن المواقف المخزية للأنظمة والحكام. الواقع العربي اليوم، وعلى امتداد الخريطة العربية إذا ما استثنينا منها أرض فلسطين حيث المقاومة مستمرة، هو واقع ضعف وتخلف وواقع قمع وفساد واحتمالات انهيارات مروعة. إن مخاطبة الأنظمة القائمة للحؤول دون هذه الاحتمالات هو جهد ضروري من الناحية السياسية، ولكنه قليل الجدوى من الناحية العملية. فهذه الأنظمة هي جزء من المشكلة، وليست جزءاً من الحل. وهي قد نجحت تماماً في اختبار التكيف مع الطلبات الأميركية في حرب الخليج الثانية، وفي تعاملها الخجول اللاحق مع الحصار على العراق ومن ثم احتلاله، وفي تعاملها المفجع مع الانتفاضة الفلسطينية والعدوان الإسرائيلي. وهي على الأرجح ستحاول "النجاح" في تعاطيها مع "مشروع الشرق الأوسط الموسع الجديد" الذي تطرحه الولايات المتحدة تحت ذريعة الإصلاح السياسي في المنطقة وبأسلوب كولونيالي مستند الى التهديد العسكري، ومن دون أي إشارة الى الصراع العربي الاسرائيلي والى الاحتلال للعراق. إن وجهة اهتمام الحركات السياسية والاجتماعية العقلانية والديموقراطية في مختلف أنحاء العالم العربي، لا بد أن تعطي الأولوية لمخاطبة شعوبها، وقوى المجتمع المدني، لتنسيق الجهود فيما بينها على الصعيدين الوطني والعربي، من أجل إيجاد عناصر الحصانة وإنتاج مقاومة سياسية وشعبية فعالة في مواجهة الضغوطات الخارجية والتضامن مع الشعب العراقي في مواجهة الاحتلال الأميركي، والدفاع عن حق كل مواطن في أن يعيش في ظل نظام ديموقراطي يختاره بنفسه بحرية.

ج - الوضع في فلسطين يتمثل الجديد في الوضع الفلسطيني في كون اليمين الإسرائيلي المتوسع داخل المجتمع الاسرائيلي قد استفاد من التطورات الدولية، ولا سميا تطورات ما بعد 11 أيلول واحتلال العراق، من أجل اعتماد أهداف عدوانية أكثر جذرية وتطرفاً، تتضمن العمل على تدمير السلطة الفلسطينية مادياً ومؤسساتياً وسياسياً، وضرب المجتمع الفلسطيني، وفرض حلول تتراجع حتى عن المستوى الذي كان موضوعاً في اتفاق أوسلو، ناهيك عن مؤتمر مدريد. وتتعدد مصادر هذا الضغط على الواقع الفلسطيني وهي تتقاطع في نتائجها العملية، رغم اختلاف منطلقاتها:
-  الضغط الإسرائيلي المتمثل في سياسات حكومة شارون والمؤسسة العسكرية الاسرائيلية. وهي سياسات تقوم على التدمير المادي والحصار وتفكيك السلطة والمجتمع وعمليات الاغتيال، أي على استخدام الأشكال القصوى من القمع والتحطيم من أجل نسف فكرة الدولة الفلسطينية وتقويض المستلزمات المادية لقيامها. والهدف من وراء ذلك هو خلق وقائع مادية جديدة (الجدار، توسيع المستوطنات، خطة الفصل في غزة والمقايضة مع الضفة، إلخ) تجعل العالم يقبل التراجع عن أي صيغة أو مسار للتسوية في المنطقة يمكن أن يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية تتمتع بالحد الأدنى من إمكانية الوجود والبقاء.
-  الضغط الأميركي، والذي يتمثل في تأمين التغطية الدولية لسياسة شارون ولمشاريعه، وفرض القبول بالولايات المتحدة وحلولها باعتبارها الملاذ الوحيد. وعلى الرغم من الانزعاج الأوروبي من التطرف الإسرائيلي ومن التفرد الأميركي الداعم له، إلا أن الموقف الأوروبي لم يتحول إلى عنصر ضاغط لتعديل المسار الراهن، وذلك لأسباب عديدة، من بينها افتقاره إلى مرتكزات عربية مساعدة بديلة للالتحاق العربي شبه المطلق بالأميركيين.
-  الضغط الناجم عن الوضع العربي العاجز بل والمتواطىء مع ما يتعرض له الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية أيضاً. والضعط هذا نوعان، الأول يتمثل بحالة العجز الناجم عن الالتحاق شبه الكامل بالسياسة الأميركية، والالتزام بمتطلباتها، والإفادة داخلياً من حملة مكافحة الإرهاب الدولية لتعزيز استقراره. والثاني تمثل لفترة طويلة بالرضا على إضعاف الرئيس الفلسطيني قبل رحيله وإنهاك السلطة الفلسطينية بسبب التناقضات في الخيارات السياسية والعملية معها. أضف إلى ذلك، ضعف ردة فعل الشارع العربي، التي لا تتناسب على الإطلاق مع ما يجري في فلسطين، ومع حاجة الفلسطينيين إلى تضامن واحتضان عربيين، لتعزيز الصمود في وجه الهجوم الإسرائيلي الشرس والدعم الأميركي له.
-  الضغط الرابع مصدره الداخل الفلسطيني نفسه، والتناقض بين السلطة وبعض قوى الانتفاضة، ولاسيما "حماس" و"الجهاد الإسلامي". إن نقطة الضعف الأساسية في الوضع الفلسطيني الداخلي، وفي الانتفاضة، يتمثل في عدم وجود استراتيجية موحدة لمواجهة خطط إسرائيل. بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى وجود استراتيجيات مختلفة، لا بل متناقضة، لدى الأطراف المشاركين في الانتفاضة. كما أن رحيل القائد التاريخي للفلسطينيين ياسر عرفات ترك فراغاً كبيراً، لن يكون من السهل ملؤه رغم ما أظهره الشعب الفلسطيني من مستوى وعي ديمقراطي عال، وما مارسه من فعل انتخاب لعله الأكثر ديمقراطية في العالم العربي.

ينطلق موقفنا إزاء هذه النقاط من ضرورة مواجهة العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، ومواجهة الضغوط الأميركية أيضاً، بأفضل شكل وبأقصى فاعلية ممكنين. إن النتائج لا النيات وحدها، هي المعيار في العمل السياسي العام، لا سيما في أوضاع شديدة الخطورة كما هي عليه الحال راهناً. إن وسائل النضال واستراتيجيات العمل والمقاومة لا بد أن تنسجم مع المصالح الحقيقية الراهنة والمستقبلية للشعب الفلسطيني، وعلى الأطراف أن يراجعوا وسائلهم وخططهم، وأن ينخرطوا جميعاً في حوار وطني صريح وديموقراطي من أجل بلورة الخيارات ووضع استراتيجيا وطنية موحدة بمشاركة الجميع، ويلتزم بها كل الأطراف. لبنان وشعبه وقواه السياسية معنيون بنجاح الشعب الفلسطيني في الصمود وتثبيت ما انتزعه من اعتراف بحقوقه الوطنية المشروعة في بناء الدولة المستقلة وحق العودة، وذلك بحكم التلازم المشترك في المسار النضالي في مقاومة الاحتلال، وبحكم التأثر المشترك بنتائج نجاح الخطط الاسرائيلية. كما أنه معني بشكل مضاعف بحكم وجود اللاجئين الفلسطينيين على أرضه، وضرورة صياغة موقف وطني رسمي وشعبي سليم يحترم الحقوق السياسية والحقوق المدنية والإنسانية لهؤلاء الفلسطينيين، ويصوغ موقفاً مشتركاً من احتمالات التوطين وانعكاسات المخططات الإسرائيلية على لبنان وسبل مواجهتها.

الواقع العربي ودورنا إن مسألتي الانتماء والهوية العربية ولا سيما في ظل العولمة المتسارعة هما في غاية الأهمية ولا بد لأي حركة يسارية تغييرية في العالم العربي، من أن تكون لها رؤية متقدمة لمضامين خوض الصراع وآلياته على هذا المستوى، مع التركيز الخاص على الارتباط الحتمي بين التحرر الوطني والتنمية والتحول الديموقراطي في مجتمعاتنا. إن البعد المستقبلي للانتماء العربي وللهوية العربية، بما هي هوية ثقافية تشترك ليس فقط في اللغة وإنما أيضاً في الإرث الثقافي والتاريخي ومشاعر الانتماء الحضاري، هو الأهم في رأينا. فمن الضروري بلورة هذه الهوية ببرنامج يعمل على إيلاء قضايا التنمية والتكامل الاقتصادي والديموقراطية أهمية كبرى. ويهمنا أن نؤكد أن مصير العلاقات بين الدول العربية سوف يتحدد بناء لمدى قدرتها في بلورة مصالح شعوبها أولاً، وفي كل دولة على حدة من خلال سلطات تمثل ديموقراطياً مصالح هذه الشعوب وطموحاتها. وثانياً، من خلال ترجمة المصالح المشتركة لدول المنطقة والسعي لتطوير العلاقات في ما بينها على كل الصعد وفي اتجاه التكامل، تحقيقاً ديموقراطياً للتقدم ومواجهة لأي عدوان على المنطقة. لقد آلت نماذج التنمية التي اعتمدت في مختلف البلدان العربية (لغياب المواصفات الآيلة الذكر) إلى الفشل. كما أن آليات التعاون السابقة لم تؤسس إلا على قمع الشعوب وعلى الاستسلام للسياسات الأميركية. لا بد لليساريين إن أرادوا التغيير أن ينخرطوا في مبادرات وأنشطة تنسيق عربية على المستويين السياسي والاقتصادي، وعلى مستوى قوى المجتمع المدني النقابية والنسائية والتنموية والحقوقية والبيئية المناضلة في سبيل العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الانسان. إن فهماً حضارياً وعقلانياً وتنموياً للانتماء العربي وللتكامل العربي، ضروري جداً من أجل اليسار اللبناني على نحو خاص. فلبنان مفتوح بقوة على المؤثرات والصراعات العربية بحكم موقعه الجغرافي وصراعه الطويل مع إسرائيل. كما أن عروبة لبنان، كانت أحد ابرز عناوين الصراع الداخلي، بما في ذلك أشكاله الأكثر عنفاً ودموية، وعناوين الخلاف في هذا الشأن لا تزال كامنة. إن شأن فهم عصري ومتقدم ومدني للمسألة القومية أن يشكل إطاراً موضوعياً لرؤية المصالح الوطنية اللبنانية في بعدها العربي، ومدخلاً مختلفاً لمعالجة قضايا العلاقة مع سوريا، ومشاريع التنمية المستقبلية، بعيداً عن التشوهات الطاغية في النظر إلى هذه العلاقات في الحياة السياسية والاجتماعية اللبنانية.

في ضرورة مشروع نهضوي جديد يجب أن نعترف أن مسار التقدم الحضاري في بلداننا قد أصيب بانتكاستين كبيرتين. الأولى تمثلت في تشوه عملية التحول إلى الحداثة في مجتمعاتنا وهياكلنا السياسية وثقافتنا، وذلك بحكم فشل مشروع النهضة العربية والتنوير الديني في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، مما خنق بذرتي الديموقراطية السياسية والإصلاح الديني. والانتكاسة الثانية تمثلت في المآل الذي بلغه مشروع حركة التحرر الوطني العربية في مرحلة الاستقلال، والذي حصد فشلاً كبيراً أيضاً في مجال مواجهة إسرائيل، والتحرر من التبعية، والتكامل العربي (كي لا نقول الوحدة)، وفي مجال النمو الاقتصادي والتنمية ومساواة المرأة بالرجل، واحترام حقوق الأقليات غير العربية. ونخشى أن تكون بلداننا أمام خطر انتكاسة ثالثة إذا ما تركت أمام خيار الالتحاق التبعي شبه المطلق بالاتجاهات السياسية والاقتصادية للعولمة النيوليبيرالية، أو الخيار الذي تمثله التيارات الماضوية بشقيها، السلفية الجهادية أو الأصولية المحافظة. إن مجتمعاتنا العربية تواجه ضرورة أن تعيد إطلاق دينامية مجتمعية وثقافية خلاقة، وأن تبدع حلولاً عصرية للقضايا الكبرى التي واجهت العالم العربي في مشروعي النهضة والتحرر الوطني. وقوى اليسار تحديداً، مطالبة بأن تكون حاملة لمشروع نهضوي معاصر، لا يقتصر على البعدين السياسي والاقتصادي فحسب، بل يشمل أيضاً التحول الاجتماعي والثقافي. وأمام اليسار العربي مهمة سياسية وإعلامية خطيرة، هي أن يخرج صورة المشهد السياسي والإعلامي العربي من ثنائية أمراء النفط و"الإرهابيين الأصوليين" التي تجتاح الرأي العام العالمي والعربي (والتي تُطعّهما أحياناً بعض الأصوات لبقايا خطاب قومي شعبوي، أو بعض الأصوات المروجة لخطاب العولمة النيوليبيرالية). وكما كان للبنان ورواده وقواه الطليعية دور أساسي في عصر النهضة في بدايات هذا القرن، وكما كان له دور ريادي أيضاً في مرحلة الاستقلال والتحرر الوطني في بناء تجربة متميزة من الحريات والكفاحية النقابية والسياسية في الشارع وعلى المستوى الثقافي، وكما كان له دور فريد في إطلاق الصمود في وجه العدوان والاحتلال الإسرائيلي ومقاومته وهزيمته، فإننا نرى أن لبنان، مدعو الآن أيضاً إلى دور مبادر وريادي للحؤول دون انتكاسة حضارية ثالثة، والى تقديم مساهمة متميزة في إعادة إطلاق مشروع نهضة عربية معاصر. ونحن نعتقد أن دور اليسار، ودور القوى الدينية المتنورة والعلمانية الديموقراطية، يقع في صلب هذه العملية الضرورية والمطلوبة بإلحاح اليوم.

الوضع اللبناني

يقع لبنان في صلب أكثر التطورات العالمية والإقليمية. ويتزامن ذلك مع استمرار الهيمنة السورية، وتفاقم الأزمة السياسية في أبعادها الداخلية، ومع تزايد حدة الأزمة الاقتصادية الاجتماعية، في وقت تتخذ سلطة الامر الواقع مجموعة من التدابير والخطوات الاقتصادية والسياسية والإدارية، من دون مراعاة متطلبات الحوار والديموقراطية وصون الحريات، ولا متطلبات الإصلاح السياسي والإداري، ومتطلبات العدالة في توزيع أعباء حل الأزمة الاقتصادية.

أ- القضية الوطنية في بعدها الإقليمي الخارجي على الرغم من نسبية مفهومي الداخل والخارج، لا سيما في عصرنا الحالي وهذا شأن يطال كل الدول، إلا أن التمييز بين هذين البعدين يبقى معبراً عن حقيقة موضوعية، مع الإقرار بتداخلهما وترابطهما. وفي البعد الإقليمي الخارجي للمسألة الوطنية اللبنانية نتناول تباعاً نقطتين أساسيتين: قضية التحرير والتسوية وقضية الاستقلال الوطني وتصحيح العلاقات اللبنانية - السورية.

1- التحرير والتسوية إن الانتصار الكبير الذي تحقق بتحرير الجنوب يظل ناقصاً ما لم يندرج في إطار موقف لبناني استراتيجي سليم من موضوع التسوية بشكل عام، وما لم يندرج في إطار مشروع بناء الدولة الديموقراطية السيدة في لبنان. وبشكل عملي، يتضمن مثل هذا الموقف المركب العناصر الأساسية الآتية:
-  لقد فرضت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية ومن بعدها المقاومة الاسلامية على إسرائيل انسحاباً غير مشروط من لبنان. وهذا الإنجاز تجاوز لمعادلة "الأرض مقابل السلام"، ويجب تثبيته، ورفض أي مشروطية لاحقة في إطار "التسوية الشاملة في المنطقة"، بحيث نقبل في إطارها بشروط مضرة بمصالح لبنان الوطنية.
-  إن الدور الأساسي والبطولي الذي لعبته المقاومة الاسلامية في التحرير يتحول إلى نقيضه إذا لم تتحمل الدولة وحدها مسؤولية الأمن والاجتماع وحماية الحدود وضمان الحريات الشخصية والعامة للمواطنين والقوى الاجتماعية والسياسية، مما يؤمن للوطن مرحلة من الاستقرار، ويخرجه من دائرة الاستخدام كساحة، ويخلق ظروفاً أفضل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لأسباب عديدة أهمها:
-  أن المقاومة تتم اليوم (كما كانت في السنوات الأخيرة أيضاً)، بعد توقف الحرب الأهلية، وفي ظل استعادة السلطة المركزية لدورها. وعليها تالياً أن تحاذر التصرف على نحو يوحي عرقلة بناء الدولة وترسيخ السلم الأهلي.
-  أن ما تبقى من قضايا بعد تحرير الأرض اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي (باستثناء بعض المناطق الحدودية) واستعادة أكثر الأسرى ورفات الشهداء يحتاج إلى حل من ضمن استراتيجيا عمل استشرافية تضمن حماية الإنجاز الكبير الذي تحقق، ولا تعرضه للتهديد. وبهذا المعنى، فإن انفراد أي طرف، مهما كان دوره أساسياً في التحرير، في اتخاذ قرار الحرب والسلم، أو في تقرير شكل تحقيق الأهداف الوطنية، هو في بالغ الخطورة. ولا يغيّر من هذا الأمر واقع الدعم الرسمي اللبناني لهذا الطرف، الذي يغطي استقالة الحكم من أداء دوره الوطني على هذا الصعيد. ويزيد من خطورة هذا الواقع، طغيان البعد الإقليمي لمسار التسوية على البعد الوطني اللبناني في تقرير شكل المواجهة في الجنوب، على إيقاع الحاجة الى تحريك المسار السوري، وخدمة لأهداف هذا الأخير. لقد أعطت هذه السياسة من الناحية البراغماتية نتائج إيجابية في عدد من النقاط (تحرير الأسرى واستعادة رفات الشهداء وتأمين حالة ردع وقائية للعدوانية الاسرائيلية)، ولكنها تسببت أيضاً بأعطاب بنيوية في الأداء السياسي اللبناني، نتج منها تغييب للدور اللبناني في عملية التسوية وتحويل للسياسة الخارجية الى مجرد ملحق للسياسة السورية، وحتى ربط النشاط المقاوم بسوريا. وأدى ذلك إلى توتر في علاقات لبنان مع الأمم المتحدة والى انعدام أي ثقة لدى المجتمع الدولي بأن الخيارات الاستراتيجية للبنان ومقاومته تنبع من قرارات ذاتية مستقلة. في سياق هذه المعطيات، لا بد أن يعطي موقفنا كقوى يسار وكقوى وطنية وديموقراطية الأولوية للدعوة إلى بلوغ توافق لبناني على خطة التعامل مع الوضع الناشىء في الجنوب بعد التحرير على قاعدة قيام الدولة بدورها الكامل. كما لا بد من تحديد خطة مواجهة المشاريع الإسرائيلية للمنطقة وفق تصور متوسط وبعيد المدى يضمن مصالح لبنان الوطنية، المتوافقة مع مصالح حقوق الأطراف العربية الآخرين، ولاسيما حقوق سوريا وحقوق الشعب الفلسطيني. إن مثل هذا التوافق وحده، من شأنه أن يحرر الجنوب والمواجهة مع إسرائيل من منطق التلزيم والإقطاع والتفرد، ويضمن بالفعل لا بالقول، وحدة الموقف الشعبي والرسمي اللبناني، وتعبئة قوى لبنان كله ضد أخطار الاحتلال واحتمالات التسوية.

2- تصحيح العلاقات اللبنانية - السورية تنحكم العلاقة بين لبنان وسوريا، كما بين أي بلدين، بجملة معقدة من العوامل تمتد بين توازن القوى والمصالح الآنية والفئوية، وبين الرؤى والأهداف المستقبلية لكل من شعبي البلدين. إن دور الفعل السياسي والاجتماعي يتحدد على هذا الصعيد في ممارسة التأثير في العلاقة بحيث يقلص الهوة تدريجياً بين الواقع والواجب، وبين الفئوي والوطني. وفي ظروف لبنان تحديداً، وبما يتجاوز الخطاب السياسي المسطح والآني الذي يكثر الكلام عن وحدة الموقف والمسار والمصير من جهة، أو عن احتلال وإلحاق من جهة ثانية، فإن نقطة البداية الأنسب في رأينا تتمثل في ضرورة صياغة فهم مشترك، للمصالح العليا للبلدين والعمل بموجبه. وفي صلب هذا الفهم المشترك، تبنٍّ صريح من البلدين لخيارات متقاربة في مجال النظرة إلى التنمية والى إشاعة الديموقراطية واحترام التعددية والإصلاح السياسي وتداول السلطة من خلال الانتخابات الحرة، وعلى صياغة مشتركة للمصالح المتوسطة والبعيدة المدى للبلدين والشعبين في إطار عملية التسوية، وفي إطار مواجهة مجمل التحديات. فإذا وضع فهم مشترك من هذا النوع، يمكن وضع خطة لمواجهة تحديات عملية الصراع العربي - الإسرائيلي وعملية التسوية. كما يمكن إطلاق مسار متدرج لتقليص التفاوتات الاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، ولا سيما لجهة أكلاف الإنتاج، ومستوى الأجور، وحرية انتقال السلع والخدمات والقوى العاملة عبر الحدود، وتقارب مستوى الضمانات الاجتماعية والحماية النقابية للعمالة المهاجرة، وتوحيد مستويات الدعم للزراعة والقطاعات الأخرى، والتكامل في مجالات الأفضليات التنافسية، واستثمار مصادر المياه المشتركة بين البلدين، والتعاون في مجال الطاقة، والبيئة والسياحة وغيرها. كل هذه أمور ممكنة، وضرورية من وجهة نظرنا كيسار يتجاوز في رؤيته الحدود الوطنية، إلى البعد العربي، والبعد العالمي والإنساني. ولكن شروط ذلك: التكافؤ في العلاقة، واحترام المصالح الوطنية اللبنانية، وصيانة الديموقراطية وحقوق الإنسان، وحق لبنان والشعب اللبناني في أن يختار بشكل حر نظامه السياسي، ومؤسساته الدستورية. إن النمط الحالي من العلاقات اللبنانية - السورية لا تتوافر فيه المواصفات المشار إليها. وما يغلب عليها كأمر واقع هو طابع الانتفاع السياسي والاقتصادي للنظام السوري وحلفائه، على حساب لبنان. ويولد ذلك الكثير من الاحتقانات، ومن الأحقاد في قاعدة المجتمع، تنتظر أي فرصة لتتفجر بشكل لا يخلو من العنصرية التي نرفضها كل الرفض. ولكننا نؤشر إلى عناصر تكونها الموضوعي. لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن تصحيح العلاقات اللبنانية - السورية (إنطلاقاً مما نص عليه اتفاق الطائف) هو من الأولويات السياسية الضاغطة على الصعيد الشعبي، والإعلامي، وداخل المؤسسات الدستورية. إن تجاهل هذا الواقع ومحاولة قمع التعبير الحر عن الآراء في هذا المجال، على يد النظام السوري والسلطة اللبنانية التابعة له، من شأنه أن يزيد من الاحتقان، وأن يشجع الاطروحات المتطرفة على كل الصعد. إن اليسار اللبناني مطالب على هذا الصعيد بموقف متميز للجمع بين الطرح المتقدم والعقلاني في آن واحد. ويتطلب ذلك صياغة موقف على الأسس الآتية:
-  حق الشعب اللبناني بكل فئاته وتشكلاته السياسية والاجتماعية في العمل وإبداء الرأي وتنظيم الحوار الوطني حول سبل استعادة السيادة الوطنية والاستقلال كونهما يطالان كل مجالات الحياة المجتمعية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والشخصية، وخصوصاً ان السلطة اللبنانية، ولاسيما مؤسسات الحكم الدستورية أو التي انتهك الدستور للتمديد لها، تدين بسلطتها إلى الدعم المخابراتي السوري المباشر، وبالتالي هي ليست محاوراً صالحاً لسوريا في ما يتعلق بتعديل العلاقة بين البلدين.
-  تتطلّب العلاقات الاستراتيجية السورية - اللبنانية أن يكون لبنان حاضراً كدولة وفق قدراته لنصرة سوريا في الصراع العربي - الإسرائيلي كما في الدفاع عن حق الشعب الفلسطيني في دولة مستقلة تعبّر عن حقوقه الوطنية والتاريخية المشروعة. ولقد لعب لبنان دوراً بالغ الأهمية في مقاومته للاحتلال الإسرائيلي ومشاريعه في لبنان بالتحالف مع سوريا. إلا أن هذا يجب ألا يكون على حساب استقلاله وسيادته وعلى حساب حق أبنائه في اختيار نظامهم وقواهم السياسية.
-  إن هذه الشراكة الاستراتيجية يجب أن تتم بين بلدين مستقلين سيدين، لا على أسس تغليب مصالح المنتفعين من أهل النظام السوري وأتباعهم اللبنانيين.
-  مراجعة كل الاتفاقات الاقتصادية واتفاقيات التعاون بين لبنان وسوريا وتثبيت الصالح منها، وتعديل الواجب تعديله بما يصون المصالح الوطنية للبلدين. إن المآخذ على الاتفاقات المعقودة تعود في قسم منها إلى عدم وجود الشفافية الكافية في معرفة مضمون هذه الاتفاقات، كما تعود إلى المشكلة الأصلية الكامنة في علاقة التبعية القائمة لصالح النظام السوري. وحل هذا الموضوع يكون بقيام الطرف اللبناني بمراجعة متأنية لهذه الاتفاقات، مراجعة تشترك فيها الهيئات الاقتصادية والنقابية المعنية، والخبراء، والقوى السياسية، ليصار في ضوئها إلى وضع أفضل صيغ التكامل بين البلدين في مختلف المجالات، وضمن رؤية تنموية مستقبلية مشتركة. إن اليسار مطالب بأن يكون في صلب معركة ديموقراطية متقدمة في اطروحاتها، قادرة على توسيع قاعدتها الجماهيرية، تخرج حركة التململ من مأزق الانتظار والارتهان بحجة الواقعية، ومن مأزق الانفعال المتشح بالتعصب والعنصرية. وحركة اليسار الديمقراطي هي اليوم في خضم العمل ضمن جبهة المعارضة الوطنية اللبنانية المتنوعة المكونات، التي كان إطلاقها نتيجة لجهود بذلها أكثر من طرف، بدءاً بالمنبر الديمقراطي عام 2001، مروراً بحملة الدفاع عن الدستور والجمهورية في وجه التمديد عام 2004، وصولاً الى وثيقة "البريستول" منذ أسابيع، بهدف تكريس المصالحة الوطنية وانتزاع الاستقلال اللبناني واستعادة الحياة السياسية على أسس الديمقراطية والقانون.

ب - الإصلاح والديموقراطية والطائفية يشكل اتفاق الطائف عنوان المرحلة الحالية والإطار الأكثر أهمية في العمل السياسي. والطائف هو في الحقيقة طائفان:
-  الأول، هو أقرب إلى النص وإلى ما كان في لحظة من اللحظات احتمالاً لحوار داخلي ينتج وفاقاً لبنانياً.
-  والثاني، هو صيغة النظام والممارسة السياسية الراهنة، المنتجة الالتحاق بالخارج، وعناصر التأزم والانقسام والتفكك الطائفي في لبنان. وبدل أن يتحول الطائف إلى مسار متحرك للحوار الداخلي يولد دينامية وطنية للتغيير والتقدم، نجحت موازين القوى في لحظة تكوين الاتفاق ووضعه موضع التنفيذ العملي، ولاحقاً بعد حرب الخليج والتفويض الأميركي لسوريا، في جعله مؤسسات دائمة وبنى مذهبية عديمة المرونة، تخنق كل احتمال للحركة، وتفرض نفسها بالقوة على الواقع تأميناً لبعض المصالح والتوازنات.

في المدخل الاصلاحي العام تندرج تحت العنوان الإصلاحي مجموعة من المسائل البالغة الأهمية المتصلة بتطوير النظام السياسي في لبنان. ونرى أن عملية الإصلاح على هذا الصعيد لا بد أن تنحكم بشكل واضح وحاسم بجملة من المبادئ والأسس تتيح التقدم على طريق بناء دولة ديموقراطية علمانية، ووقف الاتجاه المخابراتي الآخذ في النمو في لبنان، واحترام مبدأ سيادة الحق والقانون واستقلالية القضاء، وإصلاح قانون الانتخاب، ومعالجة المسألة الطائفية، وضمان حقوق الإنسان، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصون الحريات العامة. كما يتطلب ذلك تحقيق الإصلاح الإداري بالمعنى السياسي، ولا سيما تعزيز تعطيل وظيفة الريع السياسي للدولة وأجهزتها; بالإضافة إلى اعتماد اللامركزية وتعزيز القدرات البشرية والمؤسسية والمادية للبلديات (والمجالس المحلية)، وتوفير متطلبات الإدارة العصرية. إن الإصلاح ضروري، ولا بديل منه، على أسس ديموقراطية سلمية لاعنفية وثقافة تسامح وفهم لمختلف الهواجس. إن هذه الدروس المستخلصة من تجربة الحرب، صحيحة أيضاً في مرحلة ما بعد الطائف، حيث تستمر عناصر التأزم السياسي في ظل نظام الترويكا والمحاصصة الطائفية وتفشي المذهبية والهدر والشخصانية والتبعية. 1- في الإصلاح السياسي: معنى الديموقراطية السياسية نقتصر هنا على عرض العناوين الموجزة لما نعتبره محاور الإصلاح السياسي الديموقراطي في لبنان. فالديموقراطية السياسية، أو الديموقراطية في النظام السياسي تعني بالنسبة إلينا:
-  أن تكون شرعية السلطة في البلاد مستمدة من قاعدة داخلية عريضة، لا أن تكون مستمدة من مصادر خارجية. وبالتالي أن تكون هذه السلطة قابلة للمساءلة أمام الشعب اللبناني، وأن يكون اللبنانيون عبر مؤسساتهم المختلفة وأحزابهم وأشكال انتظامهم، مؤثرين في تكوينها وفي سياساتها وفي استبدالها.
-  وضع قانون عصري وديموقراطي للتمثيل النيابي، يتضمن خلاصة المبادئ المتوافق عليها لتأمين التمثيل الصحيح المنسجم مع واقع التشكل السياسي والاجتماعي اللبناني من جهة، والذي يفتح المجال أمام تطوير الحياة السياسية على أسس تتجاوز العصبيات الضيقة. ومن هذه المبادئ اعتماد نظام التمثيل النسبي، وخفض سن الاقتراع إلى 18 سنة، ودعم مشاركة المرأة، ووضع سقف للنفقات الانتخابية، وضمان حق المرشحين المتكافىء في استخدام الإعلام الرسمي وغير الرسمي، وإشراف هيئة قضائية مستقلة على الانتخابات، واعتماد البطاقة الانتخابية المقرونة بالاقتراع في مكان السكن، وإجراء الانتخابات في يوم واحد.
-  ضمان استقلال القضاء وتحصينه إزاء السلطة السياسية التنفيذية والتشريعية، واعتماد مبدأ انتخاب القضاة للهيئات القضائية العليا بدل التعيين.
-  الالتزام بمبدأ سيادة القانون باعتباره الضامن لحماية المواطنين من تعسف السلطة وليس العكس، وباعتبار هذا المبدأ يجسد أولوية النص الدستوري والقانوني وإلزاميته وتفوقه على النص السياسي.
-  إحترام حقوق الإنسان، ولاسيما حق المواطن في التعبير والتجمع والانتظام في أحزاب ونقابات، واحترام حرمة المراسلات والاتصالات والتنقل، واحترام الأصول القانونية في كل ما يتعلق بالإدعاء ضد الأفراد وتوقيفهم واستدعائهم أمام القضاء.
-  احترام حق الجمعيات في التأسيس بحرية، وتطبيق نظام العلم والخبر بشكل سليم يحرر الجمعيات من رقابة الأجهزة الأمنية غير المبررة، واحترام استقلاليتها وضمانها بالقانون والممارسة.
-  تفعيل كل الهيئات الوطنية المختلطة قطاعياً، من المجلس الاقتصادي الاجتماعي، ومجلس إدارة الضمان الاجتماعي، ومجلس الجامعة، وغيرها، بحيث تصبح هذه الهيئات صاحبة قرار فعلي معبّر عن محصلة الحوار بين الأطراف المكوّنين لها. وتعميم هذه الصيغة من المشاركة في المؤسسات والقطاعات التي لم تعتمدها بعد.

2- في الإصلاح الإداري إن جوهر الإصلاح الإداري يكمن في الحؤول دون استخدام الدولة - الجهاز كأداة للريع السياسي والطائفي وتقديم الخدمات للمحاسيب، بما يجعلها الأداة الأكثر أهمية لإنتاج الزعامة التقليدية، ولإعادة إنتاج النخب الحاكمة نفسها. وهذه الفكرة بدورها تستند إلى الفهم المعاصر للتمييز بين السياسي والإداري في الدولة وفي الحكم والحكومة، وهو من أركان مفهوم الدولة الحديثة. وهذا الفهم غائب إلى حد بعيد في الممارسة السياسية في لبنان، وهو ما يفترض أن يشكل لبّ عملية الإصلاح الإداري. وعلى هذا الأساس فإن إصلاح النظام الانتخابي، وتطوير العمل السياسي الحزبي، وبناء الدولة المدنية على أساس سيادة القانون واستقلال القضاء، هي الممهدات المرتكزات للإصلاح الإداري بمعناه المباشر. إذ أنها تشكل الشروط الضرورية لإطلاق عملية الإضعاف المتدرج لوظيفة الريع السياسي الذي تؤديه الإدارة وجهاز الدولة. وفي البنود الفرعية للإصلاح الإداري بمعناه المباشر، يمكن طرح الأسس الآتية:
-  إعطاء أولوية لإلغاء طائفية الوظيفة وحصر الاستخدام بالمباراة العامة وعلى أساس الكفاءة.
-  وضع تصميم خاص للامركزية إدارية فعالة تساهم في تحقيق الإنماء الشامل. وذلك يتطلب حكماً إصلاح نظام البلديات، بإخراجها أولاً من وصاية وزارة الداخلية، وبتقصير دورة الانتخابات البلدية إلى أربع سنوات، وبتعزيز قدرات البلديات على التحول إلى أداة للتنمية المحلية. كما لا بد من اعتماد أسس علمية وديموقراطية في إنشاء مجالس الأقضية، وضمان طابعها التمثيلي الصحيح، وعلى أساس الشراكة مع هيئات المجتمع المدني ضمن النطاق المعين.
-  المستوى الثالث للإصلاح الإداري يتعلق بالجوانب التقنية إن صح التعبير، مثل ضرورة التحديث والمكننة، وتبسيط المعاملات والتشريعات الإدارية، وتمديد دوام العمل الرسمي، وتحسين مستوى معيشة الموظفين بزيادة الرواتب والتقديمات الاجتماعية، والتشدد في الرقابة على فاعلية عملهم، مع ضمان حق التنظيم النقابي للعاملين في القطاع العام كآلية انتظام صحية من داخل الإدارة بديلة من الولاء للزعامة السياسية خارج الإدارة.
-  أخيراً، لا بد من التنبه بشكل خاص لمسألة الفساد والهدر المستشري في الإدارة. وفي هذا الصدد، لا بد من التنبيه من حصر الإصلاح الإداري بمكافحة الفساد والرشوة... فهذه المظاهر على أهميتها، لا تطال جوهر الخلل البنيوي في عمل الإدارة في لبنان. إن مكافحة الفساد والهدر لا بد أن تذهب أبعد من ملاحقة صغار المرتشين في الإدارة، لا بل أبعد من ملاحقة كبار المسؤولين أيضاً. إن الإصلاح لا بد أن يطال في الدرجة الأولى إعادة النظر في نظام توزيع المنافع المعمم في الإدارة اللبنانية، والذي يشكل المصدر الأساسي للهدر، سواء كان هناك سرقات بالمعنى الحرفي للكلمة، أم لم يكن. إن نظام توزيع المنافع هو الأساس المولد للهدر المستمر، والأساس الذي يغطي الاختلاسات والصفقات والفساد بمعناه الضيق في الإدارة اللبنانية، ويحميها ويبررها. وهذا يعيدنا أيضاً الى ضرورة التشديد على أهمية استقلال القضاء واضطلاعه بدوره كعنصر ضمان للحقوق ومحاسبة للمنتهكين القوانين.

3- في المسألة الطائفية تشكل الطائفية إحدى أبرز الظاهرات الاجتماعية والسياسية في لبنان المعاصر، وأكثرها خطورة وأثراً على تطوره. فالطائفية اليوم قائمة في التعليم، وفي علاقات الناس ووعيهم البسيط، وفي النظام السياسي والإداري بكل تفاصيله، وفي إعلام الزعماء وممارستهم، وفي ميادين عديدة أخرى. كما أن للطائفية أساساً تاريخياً حاضراً في الاجتماع والسياسة والاقتصاد، وفي الوعي الشعبي. وإذا كانت الطائفية ظاهرة بهذه الأهمية، فبديهي ونحن نتعامل معها، أن لا نقع في فخ البديهيات والتبسيط، وأن نطور منظومة تحليل ومنظومة عمل تتعامل بفاعلية مع مستوياتها المختلفة، وتسمح لنا بتجاوزها إلى بناء دولة ومجتمع مدنيين. وبالتالي علينا تجنب الوقوع في المقاربة الجزئية أو الشعاراتية للظاهرة الطائفية، خصوصاً وقد تبين مدى قصورها من خلال تجربة الحرب الأهلية، وعهد ما بعد الطائف. وثمة انحرافان أساسيان في مقاربة الطائفية يهددان الفهم والعمل على حد سواء: * الانحراف الأول، يكمن في المبالغة في أهمية موقع الطائفية في تاريخ لبنان وحاضره ومستقبله، إلى درجة اعتبارها جوهر وجود لبنان ورسالته (كما في الفكر اليميني الطائفي)، أو اعتبار الطائفية في المقابل علة العلل في النظام، بحيث يصبح التخلص من الطائفية هو الحل الشافي لكل مشكلات لبنان (كما في بعض مبالغات الخطاب اليساري أو القومي أو الشعبوي). ففي مقاربة من هذا النوع، يجري عزل الطائفية عن أساسها المادي التاريخي، لتصبح جوهراً متعالياً، فيه كل الخير أو كل شر. وهو ما يضفي على الطائفية هالة من الغموض، ومسحة من الإطلاق بحيث يعطل ذلك إمكانات الفعل السياسي لتجاوزها، ويضع الحركة السياسية أمام خيارات القبول المطلق، أو الرفض المطلق، باعتبارها خيارات تتخذ دفعة واحدة، ويجعل من خيار تجاوز الطائفية خياراً غير قابل للتحقق إلا بصفته إلغاء يتم دفعة واحدة بانقلاب تغييري حاسم. كما أن من مفاعيل هذه المقاربة، أنها تعطل فهم الآليات الواقعية لعمل النظام السياسي، وحركة الصراعات الطبقية والسياسية، لأن تفسير كل شيء، أساسياً كان أم ثانوياً، يحال على الطائفية كمبدأ مفسر شبه وحيد للمسار المتعرج والمتحقق تاريخياً لحركة التناقضات والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. * الانحراف الثاني، يتمثل في اجتزاء الظاهرة الطائفية عن باقي مكونات عملية الإصلاح السياسي، وفي اختزالها في الفهم أو الممارسة العملية في الطائفية السياسية. وما من شك أن الطائفية السياسية هي العقدة الأكثر أهمية في الإصلاح السياسي، ولكن لا يمكن إهمال الأبعاد والمستويات الأخرى في الظاهرة الطائفية في المجتمع وفي الوعي وفي السلوك العملي للبنانيين. وإذا كان ممكناً من الناحية النظرية على الأقل التحدث عن إلغاء الطائفية السياسية (ولو المتدرج)، فإن تعبير الإلغاء لا يصح إطلاقاً عندما يتعلق الأمر بالوعي والسلوك والتشكل الاجتماعي. وبالتالي، فإن اجتزاء النظرة إلى الطائفية واختزالها في الطائفية السياسية، يحمل معه أيضاً خطر التعامل الإرادوي والإداري مع حالة في الوعي وفي المجتمع، وهو ما مصيره الفشل الأكيد. كما أن الوجه الآخر لهذا الاجتزاء يتمثل في التوهم بإمكان إلغاء الطائفية السياسية بمعزل عن مستوى نضج تجاوز الطائفية في قاعدة المجتمع. أي بكلام آخر، هل يمكن أي طرف سياسي أن يطرح شعار إلغاء الطائفية السياسية بمعزل عن تبنيه خياراً عملياً ممارساً بالعمل على تجاوز الطائفية في المجتمع، وفي الدولة، باتجاه الصيغة المدنية غير الملتبسة؟ ونحن نميل إلى ترجيح عدم إمكان ذلك، وهو ما يقودنا بالضرورة، في ممارسة نشاطنا السياسي والاجتماعي، لكي نضع خطة عمل شاملة لكل مستويات الظاهرة الطائفية، والابتعاد عن تكرار التجربة السابقة التي انطلقت من مقدمات صحيحة، لتتجمد في الشعار، وتنفصل عن مواكبة الحياة، وبالتالي تفقد فاعليتها، أو تجري مصادرة شعار إلغاء الطائفية من الطائفيين أنفسهم. إننا باختصار من دعاة إسقاط هالة الغموض والشمولية عن الظاهرة الطائفية، ورؤية مستوياتها المختلفة، وتفكيكها إلى عناصرها المكونة: إن الطائفية ليست مبدأ متعالياً مفسراً لتاريخ لبنان وحاضره، بل هي ظاهرة تحتاج هي نفسها إلى تفسير في ضوء هذا التاريخ، وبهدف واضح هو تجاوزها من خلال: * عدم فصل مسألة تجاوز الطائفية السياسية (أو إلغائها حسب التعبير الذي لا يزال متداولاً) عن مسار الإصلاح السياسي للنظام. وبشكل ملموس، نقترح أن لا يجري وضع برنامج عمل مستقل تحت عنوان "إلغاء" الطائفية السياسية، بل أن يأتي علاج المسألة الطائفية من ضمن خطة عمل لتحقيق الإصلاح السياسي في اتجاه بناء الدولة العلمانية. * إن العلاقات الطائفية تلعب دوراً مادياً في الحياة اليومية باعتبارها آلية فاعلية لتلبية الاحتياجات وتوفير الخدمات، بما فيها الخدمات الاجتماعية الأساسية كالتعليم والصحة. إن الطائفية من حيث هي مشكلة أو تشوه اجتماعي أو سياسي، لا تكمن في وجود الطوائف ومؤسساتها، بل تكمن في أن تعطى لها أدوار تشريعية أو سياسية أو اجتماعية لا تقع ضمن طبيعتها من حيث هي تفريعات للانتماء الديني، كما هو متعارف عليها في المجتمع والدولة الحديثين. وبهذا المعنى، فإن معالجة المشكلة الطائفية في لبنان، تكمن بالضبط في تقليص دور الطوائف ومؤسساتها وإعادتها إلى مجالها الأصلي، بما يجعل من التمثيل السياسي، والتشريع، وتلبية الاحتياجات الأساسية للمواطن محلياً ووطنياً من اختصاص الدولة، والمؤسسات المدنية الطابع، وعلى أساس المواطنية وما يتفرع عنها من حقوق. * من الناحية العملية، تحتل مسألة تحسين فاعلية التعليم الرسمي لجهة توفيره للجميع، ومجاناً في مراحله الأساسية، أهمية كبيرة لمواجهة الطائفية، وكذلك ما يتعلق بتوفير الخدمات الصحية والحماية الاجتماعية من خلال الدولة والمؤسسات المدنية الطابع، وإصلاح الإدارة، ولاسيما إلغاء طائفية الوظيفة، وحصر التوظيف بالمباريات التي يجريها مجلس الخدمة المدنية. * يحتل أيضاً العمل على إصلاح النظام الانتخابي مكاناً مهماً في تجاوز الطائفية السياسية بشكل خاص. ويمكن في هذا المجال اقتراح إنشاء مجلس شيوخ يمثل التنوع الديني في لبنان، ويساهم تالياً في تحرير المجلس النيابي من إلزامية التمثل على أسس طائفية ومذهبية. * أخيراً إن خطة العمل المقترحة لا بد أن تشمل الحيز التربوي بشكل عملي وفعال، من نوع تدريس التربية المدنية، والكتاب الموحد لتعليم تاريخ الأديان.. الخ. كما لا بد أن يشمل الاهتمام وسائل الإعلام، ومضمون ما تبثه، وشكله، ارتباطاً بمسألة الطائفية وبمسألة الإصلاح، وخصوصاً ان هذه الوسائل على نحو ما شرع له مملوكة من ممثلي الطوائف والمذاهب وشركاء لهم. وغني عن البيان، ان التقدم على طريق تجاوز الطائفية، وفي صلبها الطائفية السياسية ومجمل عملية الإصلاح السياسي، لا يمكن أن يتم تلقائياً. وفي هذا الصدد لا بد من بناء حركة سياسية واجتماعية ضاغطة من اجل وضع آلية لإطلاق هذا المسار والبدء بإجراءات عملية في هذا الاتجاه، بدءاً من العمل على إصلاح نظام التمثيل الشعبي، وفصل الإدارة عن السياسة، وصولاً إلى تشكيل هيئة وطنية لتجاوز الطائفية من قوى المجتمع المدني، وفرض إطلاق هذه الآلية على المستوى الرسمي. إن مثل هذا النشاط لا يمكن أن يحصل تلقائياً، ما لم يضع اليسار على جدول أعماله الحقيقي مسألة تنسيق جهود العلمانيين وغير الطائفيين في هذا البلد، من أجل تحقيق الإصلاح السياسي والإداري وتجاوز الطائفية، باعتبارها أبعاداً متكاملة لعملية إصلاحية واحدة.

ج - في البعد الاقتصادي والاجتماعي أصبح فهم الآليات الجديدة للتوسع الرأسمالي العالمي، وتجلياته الإقليمية والوطنية، ضرورة معرفية وعملية، بحكم ظاهرة العولمة وما ينتج منها من تزايد دور المؤثرات العالمية لتصبح العامل الحاسم في تقرير الخيارات الاقتصادية التي تعتمدها الحكومات الوطنية. لقد تسببت العولمة في العقود القليلة الماضية في انقسام العالم ككل، وانقسام المجتمعات الوطنية بشكل حاد، بين قلة تحتكر الثروة والسلطة، وغالبية متوسعة من ضحايا العولمة والأنساق الاجتماعية والاقتصادية المتولدة عنها، مما يعني في الوقت عينه إمكانات متوسعة لبناء حركة مقاومة للمفاعيل السلبية للعولمة الرأسمالية على الدول والشعوب والفقراء في العالم. وتتخذ تأثيرات العولمة أشكالاً ملموسة من خلال السياسات وآليات الشروط التي تضعها المؤسسات الدولية، والدول الصناعية المتقدمة، لعمل الاقتصاد العالمي، والاقتصادات الوطنية لدول البلدان النامية على وجه الخصوص. وفي هذا السياق، احتلت برامج التثبيت الاقتصادي والتكيف الهيكلي لصندوق النقد والبنك الدوليين مكاناً خاصاً منذ بداية الثمانينات في التحكم في الدول النامية عموماً، والمدينة منها بشكل خاص؛ كما يبرز اخيراً دور منظمة التجارة العالمية الفريد من نوعه، بحكم قدرتها الكبيرة على التحكم بشروط التجارة العالمية، وبسبب الطابع الملزم لقراراتها، مما يجعلها بمثابة قوة أو "حكومة" "فوق قومية" متحكمة بسياسات الدول والحكومات. ويبرز أيضاً الحجم الاستثنائي للشركات المتعددة الجنسية القادرة على اجتياح الاسواق وضرب الشركات الوطنية والتحكم بالأسعار، والدور الخطير للمضاربات المالية وما يمكن أن تنتجه من انهيارات في الاسواق المالية وفي قيمة العملات الوطنية والاسهم التجارية. وفي ظل طغيان دور العوامل العالمية تتقلص هوامش الحرية للحكومات الوطنية في رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية فتواجه خيارات تراوح بين التكيف النشيط مع شروط العولمة الراهنة، أو الانصياع الكامل لها.

1- علاقة لبنان بالمؤثرات العالمية ارتبط لبنان باكراً بالسوق والاقتصاد العالميين، معتمداً اقتصاداً ليبيرالياً ومؤدياً وظيفة الوساطة التجارية والمالية بين المراكز الرأسمالية والعالم العربي في ظروف مساعدة. كما أن تخصصه التجاري والمالي كان عنصراً مساعداً من دون شك، لأنه كان ارتباطاً مع القطاعات الأكثر ربحية في الاقتصاد العالمي مقارنة بالتخصص الزراعي أو المنجمي، وحتى الصناعي. هذا المسار انقطع مع اندلاع الحرب عام 1975، وأدى ذلك إلى نتائج خطيرة على الاقتصاد الداخلي الذي تدهورت مؤشراته في معظمها. كما نتج من الحرب انقطاع لبنان عن السياق العالمي للتطور الاقتصادي بكل مفاعيله السلبية، والإيجابية أيضاً. فعشية الحرب، كانت ديون لبنان الخارجية ضئيلة جداً. وأدت الحرب إلى إعطاء أولوية للاهتمام الدولي السياسي بلبنان، مما جنبه الدخول في سياق العولمة وفورة الديون الخارجية التي شملت معظم البلدان النامية، بما فيها دول المشرق، في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين. وخرج لبنان من الحرب في بداية التسعينات من القرن العشرين من دون ديون خارجية كبيرة خلافاً لجيرانه. مع انتهاء الحرب وضعت الحكومات المتعاقبة، لاسيما الحكومتان الحريريتان الأولى والثانية، المعالم الأساسية لخيار لبنان الاقتصادي والاجتماعي. وتجلى ذلك بوضع خطة عشرية منحازة وغير واقعية اجتماعياً لإعادة إعمار البلاد. وقد تضمنت الخطة منذ تصميمها الأول على الورق، تحقيق النمو من خلال زيادة المديونية، وزيادة الضرائب غير المباشرة ورفع أسعار الخدمات، المترافق مع تقليص الإنفاق الحكومي "غير المجدي". تتضمن الوجهة التي يندفع فيها لبنان وفق الخيار الحالي تغليب وزن الرأسمال المعولم المرتبط بالاقتصاد الإقليمي والعالمي على الرأسمال المحلي الارتباط، وابتلاع الرأسمال الكبير للرأسمال الصغير والمتوسط. ويرتبط بهذه التحولات حصول اتجاه إلى تعديل في التحالف الاجتماعي - السياسي الحاكم، الذي كان يجمع بين بورجوازية تجارية - مالية، وأريستوقراطية عائلية - سياسية تتولى وظيفة التمثيل السياسي من خلال نفوذها الاجتماعي والسياسي في إطار نظام طائفي. إن ملامح التحول المحتمل تشير إلى حاجة ممثلي الرأسمال المعولم إلى الإمساك بمراكز القرار في السلطة بشكل مباشر، ومن خلال ممثليهم المباشرين، وليس من خلال العائلات السياسية التقليدية فحسب. إن المشروع الاقتصادي النيوليبيرالي هو بالضرورة مشروع سياسي. وهذا بعد آخر لتفسير التناقضات داخل مؤسسات الحكم نفسها، التي لا تزال محكومة بتوازنات اجتماعية وسياسية، داخلية وإقليمية تحد من الهيمنة الكاملة لأصحاب القرار الاقتصادي على كامل مراكز القرار السياسي ومؤسساته في النظام والدولة. وعلى المستوى الاجتماعي، حملت خيارات النمو المعتمدة بعد الطائف مضامين وآثاراً اجتماعية سلبية. فالاتجاه الثابت نحو الالتزام بموجبات خطط التثبيت المالي في إطار الخيار النيوليبيرالي، أدى إلى زيادة حدة التفاوتات الاجتماعية والمناطقية، وإلى استمرار آليات الإفقار المؤدية إلى التوسع العددي والنوعي للفئات المشمولة بعملية الإفقار هذه. إن الدراسات التي تبنتها رسمياً الجهات الحكومية والدولية تعتبر أن ثلث السكان على الأقل يعيشون في حدود خط الفقر المباشر أو دونه. كما أن هذه الدراسات نفسها تشير إلى استمرار ظاهرة أكثر تعقيداً وعمقاً مما كانت عليه في بداية الستينات حيث اتسمت آنذاك بالتفاوت في توافر البنى التحتية والخدمات الأساسية، في حين هي اليوم تشمل التفاوت في التركيب الاجتماعي - الطبقي ومستويات الدخل، ومحدودية النشاط الاقتصادي وفرص العمل. كما يشمل هذا التفاوت الأبعاد السياسية والثقافية التي تخلق مشكلات حقيقية في ما يتصل بالاندماج الاجتماعي والوطني في لبنان. أيضاً على الصعيد الاجتماعي، تراجعت فاعلية الخدمات ذات الطابع الاجتماعي، على اختلاف طبيعتها. إن أكثر من نصف السكان غير مشمولين بأنظمة التأمين الصحي والاجتماعي. والنظامان الصحي والتعليمي في البلاد ضعيفا الفاعلية ومرتفعا الكلفة التي يتحمل معظمها المواطنون، في حين أن الإنفاق الحكومي في هذين الميدانين الأساسيين ضعيف المردود. كما أن فاعلية الخدمات الاجتماعية الأخرى باتت ضعيفة جداً، وتتعرض لعملية تحويلها إلى المنتفعين على أساس سياسي. يضاف الى كل ذلك، أن بعض المشكلات الاجتماعية ما زالت من دون حل، ومنها: مشكلة المهجرين، والمعوقين، ومشكلات الشباب على اختلافها، ناهيك بالاستمرار والتمادي في التمييز ضد المرأة. وهذه كلها تترك بدورها تأثيراً على تماسك النسيج الاجتماعي لصالح آليات التفكك، أو الاستقطاب التعصبي أو الفئوي.

2- الأزمة البنيوية العميقة إن الطابع المصيري للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية هو الغالب في المرحلة الراهنة. ذلك أن هذه المشكلات العميقة والعامة والمتعلقة بالخيارات الاستراتيجية للحكومة وللنظام، تترك مفاعيل وآثار سلبية ومباشرة على حياة المواطنين، تتطلب علاجاً فورياً. * فالأزمة تنتج أولاً من طبيعة الخيارات الاقتصادية والاجتماعية لكون هذه الخيارات تعمق استقطاب الثروة، والخلل القطاعي، ومركزة النشاط الاقتصادي، وتزيد من درجة تمفصله على الخارج وتحد من تغذيته وتطويره للدورة الاقتصادية الداخلية. وينتج من ذلك، توسع في انتشار الفقر، واستمرار وإعادة إنتاج التفاوت بين المناطق وتفاقم ظاهرة الحرمان المناطقي، كما ينتج منه استمرار تهميش القطاع الزراعي والريف والساكنين فيه، كما أنه يزيد من أخطار إفلاس الشرائح الدنيا من الفئات الوسطى وصغار الموظفين والعاملين بأجر وأصحاب الحرف والمؤسسات الصغيرة، ولا يساهم في معالجة مشكلتي البطالة والهجرة. * وتنتج الأزمة ثانياً من الخصائص السياسية للنظام في مرحلة ما بعد الطائف. فالتحالف الهجين الذي يحكم لبنان اليوم، يمثل هذه الشراكة النفعية والمفروضة بقوة العوامل الإقليمية والرعاية السورية بين نهجي المزرعة والشركة الخاصة. وكلاهما لا يحمل مشروعاً وطنياً، بمعنى مشروع التنمية المتمحور على المصالح الوطنية للبنان. فبالنسبة لأصحاب نهج المزرعة، الدولة وسيلة انتفاع، يدركون تماماً أنها موقتة وتنتهي بانتهاء وجودهم على رأس مؤسسات الحكم، وبالتالي فإن مرحلة حكمهم هي مرحلة الانتفاع الأقصى من دون اعتبار لمتطلبات الوطن ولمتطلبات الشعب والناس. وبالنسبة لأصحاب نهج الشركة الخاصة، فإن الدولة لا ضرورة لها إلا بمقدار تسهيلها لنشاط القطاع الخاص. فإن ازدهرت الأعمال، فإن الوطن مزدهر، ولو كان ذلك على حساب العدالة الاجتماعية والديموقراطية وحقوق المواطن. * وتنتج الازمة ثالثاً من تحول الفساد الى ثقافة متكاملة في لبنان، تغذيها الطائفية والزبائنية، وتغذيها أخلاقيات النظام التشاركي بين بعض أمراء الحرب وأصحاب الصفقات والأعمال المشبوهة، المرتبطين غالباً بأجهزة سورية ولبنانية تحميهم وتسهّل أعمالهم. إن حجم الفضائح التي شهدها البلد في السنوات الأخيرة، من الكهرباء الى الهاتف الخليوي، الى بنك المدينة، الى طائرة كوتونو، مروراً بأكثر المشاريع الكبرى التي نفذت والصناديق التي خصصت لبعض السياسيين وأتباعهم الطائفيين، يشير الى حجم الأزمة الأخلاقية التي بتنا نعيش، المرتبطة بنهج التحالف الحاكم. * وتنتج الأزمة رابعاً من خطابات شعبوية تبسيطية واستعداد للتعاون مع بعض الأجهزة المخابراتية والأمنية بحجة احتمال تصديها للنهجين اللذين سبق وذكرنا، وفي ذلك ما يتناقض مع أي فهم عميق للتغيير الديموقراطي ولاحترام الحريات بوصفها منطلق التصدي الحقيقي للفساد والإفقار، وفي ذلك أيضاً ما يفقد العمل المعارض صدقيته وقدرته على تعبئة الناس.

بعض التوجهات الاقتصادية إننا متيقنون من حجم المصاعب التي تواجه الاقتصاد اللبناني، وندرك أن التوزيع غير المستند الى الانتاج بات مسألة لا تؤدي لغير التراجع وخطر الانهيار. لكننا أيضاً، وانطلاقاً من انحيازنا الى العدالة الاجتماعية والى التحرر من الاستغلال، ندرك أن غياب مفهوم التوزيع العادل للثروات عن اقتصاديات اليمين النيوليبيرالي وعن هواجس "النخب" الحاكمة في لبنان لن يؤدي لغير المزيد من التفاوت الطبقي والفقر من ناحية، وتراكم الثروات من ناحية ثانية، وبالتالي ازدياد التوترات الاجتماعية والسياسية. الإصلاح الاقتصادي في نظرنا ضرورة حاسمة، وتغيير الثقافة الاقتصادية والمالية المعتمدة أولوية. ولا مجال في هذا الباب لغير الإشارة الى مفهوم التنمية الشاملة بوصفها منطلقاً لهذين الإصلاح والتغيير. إننا نرى أن الخصخصة ليست الحل السحري لمشاكل القطاع العام المتفاقمة نتيجة الخيارات السياسية والفساد المستشري، ولا الاستمرار في الاتكال على الدعم الخارجي والقروض وإصدارات السندات واليورو بوند السبيل الناجع لمواجهة احتمالات الإفلاس. لبنان بحاجة الى خطة إنقاذ عاجلة:
-  تغير نظامه الضريبي وتشرك المصارف في تحمل مسؤولياتها المالية في شفافية واحترام للقوانين.
-  توقف الهدر وتحويل القطاع العام الى شبكات انتفاع وفساد.
-  تجبي أموال الدولة من الشركات الخاصة، وتعالج قضايا الأملاك البحرية والهاتف الخليوي، وتضبط مخالفات المرافق السياحية.
-  تراجع المشاريع العقارية لضمان حقوق الخزينة،
-  تيسر أنشطة القطاعات المنتجة وتطور السياحة وقطاع الخدمات الديناميكي وتؤمن الشروط اللازمة لجذب الاستثمارات وتعزيز المشاريع وتعميم الفائدة منها.
-  تبحث في الدخول في مجالات الصناعات الإلكترونية وتجميع التقانات العالية، وسبل تأهيل العمالة اللبنانية للقيام بذلك.
-  تحضر لخطة دعم على المدى البعيد للمؤسسات الصغرى والمتوسطة.
-  تعزز دور البلديات بما هي أيضاً مواقع مهمة لتنشيط العجلة الاقتصادية في المناطق.
-  وبالترافق مع ذلك كله، تولي البيئة التي لحقت بها أضرار فادحة في العقود الأخيرة، والصحة، والتعليم الرسمي في مختلف مراحله، والتأهيل المهني، والمساواة بين النساء والرجال في مختلف المجالات، الإهتمام اللازم على اعتبارها عناصر قوة اللبنانيين ومناعتهم وشروطاً أساسية لنهوضهم. إن شيئاً مما نقول لن يتحقق من دون توازن قوى فعلي في المجتمع ومن دون ضغط شعبي سلمي على مراكز القرار لتغييره. وذلك يتطلب حتماً بناء لحركة نقابية جديدة مستقلة ومستقطبة للعمال والموظفين، وتفعيلاً لتجمعات مهنية ومنظمات اجتماعية ومراكز أبحاث متخصصة. ودورنا كيسار ديموقراطي أن نساهم في كل هذه المهام بفاعلية وبجهد وبواقعية. ونحن سنصدر قريباً وثيقة إقتصادية نطرح فيها برنامجنا التفصيلي للإصلاح، إنطلاقاً من الحوارات التي نجريها ومن الدراسات التي أعدها ويعدها خبراء عديدون ومن الملاحظات التي قدمها الرفاق في الجلسة التأسيسية للحركة.

ختاماً: دعوة الى العمل إن وثيقتنا هذه ستظل عرضة للتدقيق والمراجعة والتطوير. والمهم، ان يترافق البحث في مضمونها مع العمل والنضال في مختلف القطاعات والمواقع، ومع الانخراط الفاعل في معركة التحرر الراهنة من قبضة الأجهزة السورية واللبنانية المتحكمة بمجتمعنا. إن دعوتنا في هذه المرحلة التاريخية هي لحشد الطاقات في مواجهة تحالف قوى الامر الواقع، ورفع مستوى التنسيق بين جيمع القوى الحريصة على إحقاق الاستقلال الوطني، من أجل النهوض من جديد بمجتمعنا وبناء دولة الحق والقانون، القادرة وحدها على تأمين المساواة والعدالة الاجتماعية، والتصدي للتحديات المفروضة على بلدنا وعلى منطقتنا.

 
< السابق